يمكن أن نلاحظ على المقتبسات السابقة من نصوص طراد الكبيسي مايأتي: إن الناقد يسمى النقد الجامعي (منهجًا) ومن المعلوم، إن ذلك النقد لايتمثل منهجًا نقديًا واحدًا، وإنما يمكن أن ينضوي تحت مسميات كثيرة، فكل ناقد جامعي ينضوي تحت لواء منهج محدد، كما نجد أن طراد الكبيسي يبحث في تلك الدراسة عن رؤية نقدية عربية خاصة، فما الخصوصية التي يحددها لهذا النقد الأدبي العربي الذي يريد؟
يريد الناقد لهذا النقد:"أن ينصرف إلى أن يبين كيف يؤثر الجو الحضاري الثقافي الذي يسود فترة ما في إنتاج الأدب واستساغته، وكيف يؤثر الأدب في الجو نفسه فيبرز ويبلور الكثير من حقائقه ومظاهره"، ولكنه يستدرك على هذا القول:"يبدو أن النقد الأدبي اليوم يتجه إلى العمل الأدبي نفسه ... يعني أن نجعل العمل الأدبي هو المادة الأساسية لنظرية الأدب، وليست هذه المادة حياة المؤلف الشخصية والنفسية".
من الواضح، لدينا، أن النصوص المشار إليها تمثل اضطرابًا بين المناهج، فالناقد يعبّر عن رؤية سياقية مرة: تأثير الجو الحضاري الثقافي في الأدب، ويعبّر عن رؤية نصية مرة أخرى: إن النقد الأدبي اليوم يتجه إلى العمل الأدبي نفسه، ولا نرى تمثيلًا لرؤية نقدية عربية خاصة، وإنما هي انتقائية أخرى، توضح جوانب من الأزمة التي يعيشها النقد الأدبي الحديث في العراق.
وفي شهادته الشخصية المقدمة إلى الباحث نجد ملامح مما سميناه الاضطراب المنهجي فهو يعترف بأنه كان يتمثل المنهج الواقعي في بداءاته النقدية، ولكنه يقول عن المرحلة اللاحقة التي تلت مرحلته الواقعية:"بدأت أميل إلى عدم التقيد بمنهج بذاته، وأرى أن مجموعة من الاستبصارات التي يقدمها أكثر من منهج، أكثر جدوى في إضاءة النص من جوانبه المتعددة، وإن رجح منهج على آخر حسب نوعية وطبيعة العمل موضوع النقد" (78) .
ويوضح معنى الاستبصارات التي يقدمها أكثر من منهج بقوله:"يعني يمكن لك أن تستخدم المنهج الاجتماعي والنفسي والجمالي والبنيوي، بهذا القدر أو ذاك لفهم نص وتحليله وتقييمه، كما يمكن أن تستخدم منهجًا واحدًا من هذه عندما يفرض النص عليك ذلك".
إن الناقد هنا غير معني بمنهج محدد، فهو يختار من المناهج كلها أو من بعضها، حسب الحاجة وحسب الظرف الذي يحدده النص، أي أنه يفتقد المنهج الخاص الذي ينبغي له أن يسير على هديه، وهذا التنقل بين المناهج النصية