إنهم بحاجة إلى فترة من الزمن يقعون خلالها في مطبات وأخطاء يتعلمون من خلالها أن القيم التي يحملونها لا تصلح للوطن العربي وجامعاته. يتعلمون مع الزمن أنه كان يتوجب عليهم خلع ثوب العلم والتقدم والغيرة على الأمة على سلم الطائرة التي أقلتهم في عودتهم الميمونة وارتداء ثوب النفاق والكذب والتدليس. ويوقنون بالتالي؛ أن التخلف الاجتماعي والسياسي عبارة عن سمة عربية بارزة تجب المحافظة عليها إذا رغبوا في بقاء أسمائهم على لائحة الرواتب.
اجتاز المدرسون القدامى هذا الامتحان وهم يعرفون حدودهم دون الحاجة إلى دروس ومواعظ من المخابرات. إنهم يعرفون أن غرف الدرس تحت طائلة المخابرات، وأن من زملائهم من يتقن نقل الكلام، وأنه من السلامة الالتزام بما يرضي المخابرات والابتعاد عما يغضبها.
لقد طور كل منهم - إلا من رحم ربك وهم قليل جدا - في داخله رقيبا ذاتيا بحيث أصبح المخابرات الذي يراقب نفسه. إنه أشبه ما يكون بأغلب وسائل الإعلام العربية التي تعرف ما يصلح للنشر وما لا يصلح دون الرجوع إلى المرجعية المخابراتية.
لماذا تجاوز الخطوط ومن ثم الخضوع للاستجواب؟ الاختصار مفيد للطرفين!
قد يسأل أحد عن الكاتب وفيما إذا جرفه التيار؟
ما زلت أسبح ضد التيار ولدي أمل بأن أعكس مجراه. أنا لا أعترف بقيود أو حواجز، وأدرس طلابي بوضوح وصراحة وبدون لف أو دوران ولا يؤرقني ما يتخذه الآخرون من إجراءات ضدي. لقد دفعت أثمانا باهظة جدا منها السجن والطرد من الوظيفة والإقامة الجبرية وسحب جواز السفر والمنع من السفر والتعرض لإطلاق النار ... الخ. لكن قناعتي مطلقة بأنني سأكون ضعيفا إذا أتى اليوم الذي يتوقف رجال المخابرات عن متابعتي، وفوق ذلك سأكون قد تركت موقعا مقدسا؛ الأمة بحاجة إليه إذا أرادت أن تتقدم وتنفض عن نفسها الذل والهزائم.
الاحتمال الأكبر أنني لن أغير وضعا سياسيا أو اجتماعيا، لكن الشجرة تبدأ أولا ببذرة.
كثيرون هم الذين يستعملون الدين لتبرير الاستسلام لإرادة المخابرات والأنظمة عموما. منهم من يستشهد بقول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، وآخرون