وعلى النقيض من ذلك فإن جيش الفرس - الذي كان يفوق الإغريق عددًا بنسبة 6:1 - لم يضع أهمية للأرض عند اتخاذه قرار النزول إلى اليابسة، وإقامة معسكر على سهول"ماراثان"، فجعلوا البحر خلفهم والجبال أمامهم والأنهار والمستنقعات على أجنحتهم. ولذلك لم يتوفر لهم مجال كاف للمناورة ضد"فالاناكس"الإغريق، وكاد أن يبيدهم عن بكرة أبيهم بعملية التفاف مزدوج.
وبعد عشر سنوات من تلك الواقعة، أي عام 480 ق. م، زحف قائد فارسي آخر يدعى"اكسيرس"على رأس جيش عرمرم لكسر شوكة الإغريق. وكان قوام ذلك الجيش (150.000) جندي، وقوة بحرية تبلغ (4.200) سفينة. فاستغل الإغريق - رغم قلة عددهم - معرفتهم الجيدة للأرض في اختيار مواقعهم الدفاعية. وتضمنت هذه الخطة الدفاعية البسيطة أن تتمركز قوة حماية صغيرة عند ممر ضيق في مركز"ثيرمابيلي". وفي هذا الموقع، أبلى جيش صغير قوامه (7.000) جندي بلاءً حسنًا لصد الجيش الفارسي المؤلف من (150.000) جندي، وما كان ذلك ليحدث لولا طبيعة الأرض. فقد كان عرض ممر"ثيرمابيلي"لا يتجاوز كيلومتر واحد، وعلى أحد جانبيه البحر وعلى الجانب الآخر جبال شديدة الانحدار. وبالاستخدام الحاذق للأرض منع القادة الإسبارطيون جيش الفرس من حشد كافة طاقاته، وتمكنوا من تثبيت ذلك الجيش لعدة أيام، حتى وجد قائد الفرس"اكسيرس"ممرًا بين الجبال نفذ من خلاله مسيرًا ليليًا، وأخذ الجيش الإسبرطي على حين غرة من مؤخرته. ورغم أن جيش الفرس قد كسب تلك المعركة إلاّ أن عملية الإعاقة الناجحة التي نفذها الإسبارطيون قد تسببت في خسارتهم للحرب في نهاية المطاف.
ويوضح المثال الذي أوردناه آنفًا، أن قوة عسكرية صغيرة قد تمكنت من هزيمة أو إعاقة جيش يفوقها عددًا بفضل الاستخدام الحاذق للأرض. وهناك عديد من الأمثلة الأخرى على براعة القادة في استغلال الأرض لتحقيق نصر صعب المنال.
فعلى سبيل المثال، تُعد المناورة الأسطورية التي قام بها الجنرال الأمريكي"استونوول جاكسون"في وادي"شناندوا"عام 1862م مثالًا رائعًا لمعرفة الأرض.
وفي عام 1940م تفادى الجيش الألماني شن هجوم أمامي، واخترق غابة"الأردنيز"الكثيفة بتسع فرق بانزرللالتفاف حول خط"ماجينو"، مما عجل بانهيار الجيش الفرنسي القوي.
وكمثال أخير، في عام 1973م وضع المصريون خطة بارعة للقضاء على المزايا الأرضية التي يتمتع بها الإسرائيليون من جراء إقامتهم لخط بارليف لحمايتهم من ناحية قناة