تعود الطيارون على تحديد أماكن وسائط الدفاع المعادية الألمانية في تضاريس أرضية وتحاشيها أو قصفها، ولكن في المدن كانوا مضطرين للتحليق فوق مساحات محددة لا يعرفون في أي مكان فيها تكمن وسائط الدفاع الألمانية، ولذلك كانوا يرمون قنابلهم بدون هدف واضح ... وحتى عندما تحقق النصر على الألمان في عدة جبهات وكنا نتابع فلولهم، كنا حريصين على عدم زج قواتنا في قتال المدن إلا بعد أن نضمن تطهيرها من الجنود الألمان تمامًا، والقادة الذين خالفوا هذه القاعدة دفعوا الثمن غاليًا).
ومن الواضح أن المدن بقيت عقدة ملازمة للجيوش بعد الحرب العالمية الثانية، والتجارب حديثة العهد عمقت هذه العقدة.
ففي حرب الخليج عام 1991م - مثلًا - استطاعت أربع وعشرون كتيبة من القوات البرية المتحالفة أن تجتاز الصحراء العراقية بنجاح، وفي اليوم الرابع من الحرب، ولكن الهجوم انتهى إلى معارك دموية دارت رحاها داخل المدن العراقية، ولما كانت القوات المهاجمة غير معدة لخوض هذا النوع من المعارك كانت الصعوبات كبيرة أمامها والخسائر غير قليلة بين صفوفها، ولتعترف القيادة الأمريكية بأنها منذ انتهاء حرب فيتنام لم تولِ تدريب القوات الأمريكية على قتال المدن اهتمامًا يذكر.
والمثال الآخر؛ المعارك التي خاضتها القوات الروسية في الشيشان عام 1994م، حيث تكبدت خسائر كبيرة في صفوفها لدى محاولتها احتلال غروزني وغيرها من المدن الشيشانية، واحتاج الأمر إلى خمس سنوات من التدريب على قتال المدن قبل أن تعيد روسيا زج قواتها في الشيشان عام 1999م في عملية واسعة، ومع ذلك تكبدت هذه القوات خسائر كبيرة مرة أخرى من أجل السيطرة على غروزني.
والمثال الثالث؛ - ولعله ليس آخر الأمثلة - عندما استطاعت مجموعة صغيرة من المقاتلين الفلسطينيين في مخيم جنين عرقلة القوات الإسرائيلية أثناء اجتياحها لمدن الضفة الغربية في شهر يونيو/2002م، بل وتدمير دبابة ميركافا وقتل وجرح عدد من الجنود الإسرائيليين الذين لم يستطيعوا دخول المخيم إلا بعد تدميره كلية من قبل المدفعية وطائرات الأباتشي والدبابات.
العامل الأخلاقي:
ما زالت محاولات فك هذه العقدة - أي القتال داخل المدن - تعتمد على نظرية الاستراتيجي"كلاوزفتز"، أي اتباع الأساليب نفسها التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية من قصف مكثف للمدن المستهدفة وتدميرها جزئيًا أو كليًا قبل زج القوات لدخولها، ودون مراعاة لوجود المدنيين فيها، إذ لا بد في رأي"كلاوزفتز"من وقوع خسائر بين المدنيين أثناء