وأيًا كانت المناهج المستخدمة في هذه الحرب الدعائية - سواء ما كان منها في جانب الحلفاء أو دول المحور - فإن الفكرة الأساسية من الحرب النفسية؛ كانت تنمية اتجاهات مؤيدة وقوية داخل المجتمع وكذلك تنمية المشاعر والآراء والمعتقدات الموالية للحلفاء، مع تكوين اتجاهات معادية ومعارضة نحو العدو باعتباره كيانًا خطرًا علينا وباعتباره خارجًا عن أمتنا، أي صب المشاعر العدوانية على عدو خارج عن المجتمع.
والإنسان بطبعه يميل إلى الالتحام والالتصاق بجماعته عندما يواجه الإحباط أو الفشل أو الخطر أو القلق، والمجتمع يتوحد ويتماسك ويأتلف عندما تواجهه الأخطار الخارجية، ومؤدى ذلك أن الدعاية تستهدف تنمية مشاعر الحب ومشاعر الكره، ولا يوجد شيء أقوى من الحرب في كسر الحواجز الطبقية أو الطائفية والدينية وتنمية مشاعر الوحدة، ويؤدي ذلك إلى تنمية مشاعر الود والصداقة والتعاون داخل المجتمع الواحد والكيان الواحد، ذلك لأن مشاعر العدوان السابقة التي كانت توجه نحو الداخل، وكذلك مشاعر السخط أو الحنق أو النقد تخرج وتنطلق لتوجه إلى عدو خارجي أو خارج عن الذات، ولذلك يلاحظ بوادر الانقسام بعد انتهاء الحرب.
كما حدث في اتحاد الأمة الجزائرية والأمة الأفغانية ضد عدو خارجي ثم سرعان ما دب الخلاف بين رفقاء السلاح بعد انتهاء معركتهم من العدو الخارجي.
وفي زمن الحرب تقوى مشاعر حب الوطن أو الوطنية، وتعلو فوق كافة المذاهب السياسية أو الاقتصادية كالشيوعية أو الاشتراكية أو الماركسية.
وقصارى القول:
إن الحرب النفسية لا تعرف حدود الزمان والمكان، فهي تمارس قبل الحرب لإعداد عقول الناس لها، وأثناء الحرب لرفع الحالة القتالية وزيادة الاعتقاد في عدالة القضية التي نحارب من أجلها، وبعد الحرب لتدعيم مكاسبها وترسيخها.
كذلك فإن الحرب النفسية ذات طبيعة مستترة، فهي تعمل في الخفاء ومن وراء ستار ولا تظهر بصورة علنية سافرة، وقد تمارس في شكل خبر أو قصة أو واقعة أو رواية أو مسرحية أو شائعة.
ولا تعرف الحدود الجغرافية؛ لأنها تمارس عبر الأثير، وتنطلق لتجوب العالم كله. وهي وإن كانت لا تستخدم الأساليب العسكرية إلا أن تأثيرها قويا في النيل من معنويات الخصم وعزيمته وإضعاف إرادته.