فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 288

الأعظم فلم يعودوا يبالون، وبقيت قلة قليلة متمسكة بهدي نبيها من يعصيها ويعاديها أكثر ممن يطيعها ويواليها، ومن يخذلها أكثر ممن ينصرها، قد جفاها القريب، وخاصمها البعيد، ورمتها الدنيا عن قوس واحدة حتى غدا حالها كحال الأوائل من الصحب الكرام، وما ضرها ذلك وما ساءها إن شاء الله فهذا دأب أصحاب الدعوات.

قال ابن القيم رحمه الله: وأهل هذه الغربة، هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم، بقوا في مكانهم، فيقال لهم:"ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس، ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده"فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وان عاداه أكثر الناس وجفوه. [1]

فصل: أما ماهية هؤلاء الغرباء الذين أخبر عنهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد أفصحت عنها الأحاديث النبوية الكريمة، وأشارت إليها في مواضع عدة، فهم النزاع من القبائل [2] . وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم [3] . وهم ناس صالحون قليل في ناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم [4] . وهم الفرارون بدينهم، يجتمعون إلى عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة [5] .

(1) - مدارج السالكين ج 3 ص 206.

(2) - صحيح رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة وأبو يعلى الموصلي في مسنده.

(3) - رواه الترمذي وقال حسن صحيح، والطبراني في المعجم الكبير.

(4) - رواه أحمد في المسند وابن المبارك في الزهد، والهيثمي في مجمع الزوائد، وقال الألباني حديث صحيح.

(5) - رواه البيهقي وأبو نعيم، وقال الألباني حديث ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت