وأما من يكثر من الحديث دون تمعن، ولا بحث، ولا نظر في العواقب، ويتبع القيل والقال، ولا يألوا جهدًا في نثر الكلام هنا وهناك، فهذا أقرب إلى الحمق والبله كما قال ابن حبان أبو حاتم البستي رحمه الله في روضة العقلاء من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفي عليه أمره: سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار. [1]
والتثبت مما يخطر في البال، وما تتناقله الألسن وترمي به هنا وهناك، يكون بسؤال أصحاب الشأن، ومراجعة أهل الاختصاص، وهذا ولا شك عنوان العقلاء، وشيمة أولي الألباب، وصفة أهل النهى والأحلام.
هذا وإن الفهم الذي يجب أن يسود بين أوساط أبناء الطائفة المجاهدة قبل الخوض في حديث ما وترداد ما يبث هنا، أو يصدح به هناك، هو التثبت مما يصل إليك من أقوال، والاحتياط فيما يروى من أخبار، وإمعان النظر فيما يصلك من أنباء، فرب كلمة من سخط الله تتكلم بها لا تلقي لها بالًا تهوي بها في جهنم والعياذ بالله، فتنبه لذلك يرعاك الله.
وقد ذم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ذاك النفر الذي يلقي بالحديث جزافا من غير سند ولا تثبّت فقال: بئس مطية الرجل زعموا. [2]
قال الخطابي رحمه الله في المعالم: وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما هو شيء حكي عن الألسن على سبيل البلاغ، فذم النبي صلى الله عليه و
(1) - روضة العقلاء ص 119.
(2) - انظر أدب المفرد للبخاري و سنن أبي داود.