فهرس الكتاب
وأولى الناس بحفظ ألسنتهم هم المجاهدون في سبيل الله، حيث أكرمهم الله بهذه العبادة عبادة الجهاد، وحباهم بهذه الشعيرة دون غيرهم، فمن تمام شكر هذه النعمة حفظ اللسان عن اللغو وكثرة المزاح والغيبة والنميمة والجدال والمراء إلى غير ذلك مما يستقبح قوله وينهى عنه، والاشتغال بذكر الله عمن سواه، والالتفات إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة، جنبنا الله معاصيه واستعملنا فيما يرضيه إنه جواد كريم.
فصل: ولقد كان السلف رضوان الله عليهم أحرص الناس على عدم بسط ألسنتهم في الحديث، وحفظ ألسنتهم عن اللغو، وأدركوا أنه من كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطؤه، كثر ملامه قال الشاعر:
ولن يهلك الإنسان إلا إذا أتى من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه
وأقلل إذا ما قلت قولًا فإنه ... إذا قل قول المرء قل خطاؤه
وهذه جملة يسيرة من الآثار الحميدة مروية عن أفاضلهم رحمهم الله في حفظهم لألسنتهم: قال النووي في الأذكار: بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب.؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها .. قال: ما هي.؟ قال: حفظ اللسان!!.
وقال رحمه الله: روينا عن أبي علي الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه، وقال الإمام الشافعي رحمه الله لصاحبه الربيع: يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها.