فهرس الكتاب
ولقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يتسابقون لورود ثغور المسلمين، والسكنى فيها والذود عنها، طمعًا في الأجر، ورغبةً في الثواب، بل كانت هجرتهم إليها من أجل الجهاد وقد كان فرض كفاية آنذاك سببًا في شهرتها، وانتشار صيتها كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فلذلك كان صالحوا المؤمنين يرابطون في الثغور مثل ما كان الأوزاعي وأبو إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين وإبراهيم بن أدهم وعبد الله بن المبارك وحذيفة المرعشي ويوسف بن أسباط وغيرهم يرابطون بالثغور الشامية، ومنهم من كان يجيء من خراسان والعراق وغيرهما للرباط في الثغور الشامية، لأن أهل الشام هم الذين كانوا يقاتلون النصارى أهل الكتاب وفي السنن عن النبي أنه قال: من قتله أهل الكتاب فله أجر شهيدين. وذلك لأن هؤلاء يقاتلون على دين، وأما الكفار الترك ونحوهم فلا يقاتلون على دين فإذا غلبوا أولئك أفسدوا الدين والملك، وأما الترك فيفسدون الملك وما يتبع ذلك من الدين ولا يقاتلون على الدين، ولهذا كثر ذكر طرسوس في كتب العلم والفقه المصنفة في ذلك الوقت، لأنها كانت ثغر المسلمين حتى كان يقصدها أحمد بن حنبل والسري والسقطي وغيرهما من العلماء والمشايخ للرباط وتوفى المأمون قريبا منها، فعامة ما يوجد في كلام المتقدمين من فضل عسقلان، والإسكندرية أو عكة أو قزوين أو غير ذلك، وما يوجد من أخبار الصالحين الذين بهذه الأمكنة ونحو ذلك فهو لأجل كونها كانت ثغورًا لا لأجل خاصية ذلك المكان. [1]
رحم الله أئمتنا فقد ضربوا المثل في كل شيء، ولم يتركوا لمن خلفهم سوى البكاء على أطلالهم، والاستئناس بقصصهم، هذا لمن ما زال في قلبه خير وغيرة من العلماء الربانيين.
(1) - الفتاوى الكبرى ج 27 ص 52 - 53.