فهرس الكتاب
فأي فضل بعد هذا، وأي كرامة بعد هذه الكرامة، فوالله لو علم الملوك ما نحن فيه من نعمة لجالدونا عليها بالسيف والسنان، ولكنه محض فضل الله يختص به من يشاء من عباده نسأله سبحانه وتعالى مزيد فضله وجزيل عطائه وحسن شكره.
فصل: ولا شك أنه يعرض للمجاهد في سبيل الله في هذا الطريق الطويل الموصل الى رضوانه أن يلتزم البيوت مرابطًا لفترات طويلةٍ منتظرًا إما الدورات التدريبية، أو اللحاق بكتائب القتل والقتال في ميادين النزال، ولا ريب أن هذا شديدٌ على النفس، مريرٌ تجرعه، ولكنه في المقابل موطن يغيظ الكفار، ومنزل يتضاعف فيه الأجر والثواب، وثبات المجاهد في هذه الحال هو حياة للأمة، وبصيص أمل في إحياء روح الجهاد ومعاني الاستشهاد في روع أبنائها، ويكفي أن يعلم أعداء الله أن هناك من يتربص بهم الدوائر، ويتحين الفرصة للإغارة عليهم، وهذا من فضل الله، بل هو كما قال ابن القيم في المدارج: ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه أحدها قوله ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة. سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغمًا يراغم به عدو الله وعدوه والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين .. ثم قال رحمه الله: فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين. [1]
(1) - مدارج السالكين ج 1 ص 226.