يقرأها -ليس مرة- مرات ومرات. ألا ترى أن العبد وهو ماشٍ ولا يدري بنفسه تراه يدندن! لماذا يدندن؟! لأن النفس مشغولة. حتى وهو يشتغل، حتى وهو يتحدث فتجده يدندن دون أن يدري! هذا شأن الناس مع ما في قلوبهم من امتلاء.
قال عن النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن «تقرأه نائمًا ويقظان» . لماذا يقرأه نائمًا؟! لأن القلب مليء به، يفيض على اللسان لحظة النوم حتى وهو غائب، وحتى إرادته غائبة عنه.
والله أنا تقفرت الكثير ممن كان يحفظ القرآن، فوجدت أن أيام الحفظ -لأن المرء مشغول، ذهنه مشغول حقيقة وليس فقط يقرأ ولكن يركز- تجده في أيام حفظ القرآن يستيقظ وهو يقرأ القرآن، ويقرأ القرآن وهو نائم .. قلما سألت رجلًا حفظ القرآن إلا ومر بهذه الفترة.
فلذلك على المرء أن يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقرأ سيرة العظماء الذين شغفت قلوبهم بحب المعاني وتحقيق الحسنات ومحبة الغيب والآخرة والجنة -هذه الجنة العظيمة وهذا الرضا الإلهي الأعظم {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} هو أكبر من كل شيء-؛ لابد أن تقرأ سيرة هؤلاء، أن تشغف بهم .. أن تقرأ سيرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
هنا نفترق فيمن نرى هذه الجماعات، أو نرى الناس الذين يعيدون ما يسمونها بالتربية الفكرية .. يملأونهم بقراءة كتب الأغيار! وليس هذا تحقيرًا لها، فمن الخير أن يقرأ المرء للآخرين ليعرف ماذا يقولون، ولكن قبل كل شيء أن تقرأ ماذا يقول الله ...
يعجبني أحدهم وقد قال: يريدون منا أن نقرأ تحت شعار قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) } ، وهم لا يقرأون ما قاله الله في قوله: {اقْرَأ} . يعني: هم يقولون: اقرأ .. ماذا أقرأ؟ اقرأ ما يقوله الآخرون، استجابة للقرآن ومطلق ما طلب من القراءة؛ ولكنهم إذا سئلوا: هل قرأتم القرآن؟ فلا يقرأون من طلب منهم أن يقرؤوا كتابه! لا يقرأون.
فعليك أن تهتم بقراءة سيرة الصحابة رضي الله عنهم، سيرة العلماء ... الدنيا -أيها الأخوة الأحبة .. المرء يتكلم الآن بعد تجربة- الدنيا مليئة بالفتن ومليئة بنزغات الشيطان، ومليئة بالمحيط الذي يجلبك إلى الشر -إما عدو يريد أن يجرك إلى المعاصي، وإما صديق يريد أن يجرك إلى الغفلة- والدنيا مليئة بالظروف والأحوال .. ؛ ولكن حين تقرأ سير السلف ونصائحهم وحكمهم، حينئذ يرتد إليك عقلك، يرجع إليك عقلك فتبصر، وحينئذ تقوم إلى القرآن تقرأ ماذا كان يقرأ الصحابة في القرآن فتعود إلى القرآن.