ولذلك العظماء في التاريخ .. لم يحدث -هذه نقطة مهمة- لم ينشأ عظماء في أمتنا قط إلا وكان مدادهم من القرآن، وسير العظماء؛ كلهم كان لهم شغف عجيب بسيرة الصحابة رضي الله عنهم، يحبونها .. حتى الملوك قديمًا -الذين صنعوا التاريخ الإسلامي العظيم- كانت لهم مجالس، يحضرون الإخباريين والمؤدبين لأبنائهم ولمجالسهم، ليتلو عليهم هؤلاء العلماء يتلون عليهم أخبار الكبار.
لا يوجد الآن -للأسف- الاهتمام بهذا الجانب إلا قليلًا؛ الذين يهتمون بالبناء الفكري لا يهتمون بالبناء النفسي، والبناء النفسي أشد وأشق وأتعب، وهو الذي يحقق الفاعلية والدوام .. علينا أن نهتم بهذا البناء الداخلي، وهذا ليس فقط الاهتمام بالتزكية بالمفهوم التاريخي البدعي، لا، إذا صلح قلب العبد صلحت اختياراته الفكرية، يبصر الأشياء على المعنى الحقيقي .. حتى هذا له دور في الفتوى؛ انظروا إلى عالم الفتوى المتسيب في عالم المسلمين اليوم! سببه عدم ذكر الدار الآخرة، سببه عدم معرفة حياة الصحابة، سببه عدم معرفة سير العلماء ..
ولذلك الطريقة التي نصنع بها فاعلية المسلم المعاصر في كل وقت، هي أن ندعوه إلى القراءة؛ وأولًا أن ندعوه إلى قراءة القرآن، ثم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سيرة الصحابة.
البارحة كنت أتحدث مع بعض الإخوة -لا بأس بهذه القضية وإن كانت تأخذ بعض الوقت-: القانون لا يصنع التربية والتزكية والأخلاق، الذي يصنع التربية والأخلاق هو القرآن، القرآن وسيرة الصحابة. مثال ذلك: هل نستطيع أن نصيغ قوله تعالى في آخر سورة البقرة عندما تحدث عن الربا: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} ؟ هذه كيف تصاغ قانونيًا؟! أن نفتح مؤسسة تجارية -يسمونها"البنك"اليوم- ونقول هكذا ونضع هذا الشعار لها .. هل يمكن أن يصاغ هذا قانونًا؟ يعني نقول: من يأخذ منا الدين ولا يستطيع أن يسد، فلا زيادة ويبقى له، ويمكن أن نسامحه إذا وجد الظرف الجيد! هذا قانون أخلاقي، هذا يتعلق بقيمة تتعلق بالدار الآخرة، تتعلق بخلق المرء وسلوكه .. لأنه يؤمن بالله، لأنه يقرأ القرآن، لأنه يصدق كلام الله، لأنه عبد يمتثل لأمر الله عز وجل.
هذه هي القضية .. ولذلك الطريق لسلوك الصلاح: أن نقرأ سيرة الصالحين.