فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 137

يكون له كنف مادي يأوي إليه، وصورة عملية يتمثل هذا الحق في هذا المثال وهذا السلوك؛ فقال: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) } يجب أن تخضعوا لملكي ..

هذا يمكن، لأنه ملك. فماذا نصنع في مؤمن آل فرعون؟! هذا المؤمن الذي يكتم إيمانه .. يعني: يخاف، وضعيف، ولا يملك ملك سليمان، وهو مجرد رجل واحد في داخل سلطان فرعون؛ ومع ذلك ماذا قال لقومه في آخر خطاب لهم؟ ماذا قال؟ {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ} ؛ هكذا تصنع عزة الإيمان، عزة الإيمان في القلوب تصنع الإمامة لصاحبها وهو لا يدري، فيصبح مثالًا لأن يلحق الناس به كائنًا من كان .. {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ} الله أكبر! فورًا صار هذا الرجل إمامًا يتبع، لماذا؟ لأنه أول من آمن، بل ربما هو الوحيد الذي آمن -قبل أن يؤمن السحرة بعد ذلك- من قوم فرعون .. فقط هؤلاء الذين آمنوا من قوم فرعون، ومع ذلك -مع ضعفه- صار إمامًا {اتَّبِعُونِ} .. قبل أن يقول هذه الكلمة عاش الحق في نفسه، وصار قويًا بهذا الحق، وصار كنفًا يؤوى إليه في تحقق المثال.

بهذا نفهم ماذا يقول العبد في آخر سورة الفرقان عندما يدعو ربه سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) } ؛ ولن يكون المرء إمامًا في التقوى حتى تصبح التقوى فيه أعلى درجة من أي شيء آخر، حتى يصبح هو إمامًا تقيًا.

ولذلك: العلم -أيها الإخوة الأحبة- ليس كلامًا، العلم الذي ورثه سلفنا هو سمة، خلق، صفات .. ؛ يجلس التلميذ لدى العالم من أجل أن يأخذ منه علمه من خلال عمله .. ابن الجوزي ذكر في صيد الخاطر أنه انتفع بعالم لكثرة ما كان يراه من زهد وبكاء إذا قرأ القرآن، وقال: نفعني الله عز وجل ببكائه أكثر مما نفعني بروايته.

العلماء وصفهم الله بأنهم قيادة في منع تصرفات القلوب خارج إطار العبودية لله؛ يمنعون هذه القلوب أن تنزلق إلى النظر إلى الشهوات والدنيا .. هذا تحقيق لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} .

عندما وقعت فتنتان لبني إسرائيل مع هذا الرجل"قارون"، {* إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى} يعني هو إسرائيلي، ومع ذلك كان من سدنة فرعون يخدمه ويشتغل في قصره! وعنده المال؛ فأول فتنة أنه كان عنده المال، ويسمع الناس {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ} الناس يسمعون عنها، قارون عنده أموال، يسمعون بها ولم يروا هذه الخزائن ولم يروا هذه المتع .. فحينئذ قومه كلهم دعوه إلى الطاعة، دعوه إلى عدم الاغترار بالدنيا، {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) } -الله لا يحب الفرحين ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت