فهرس الكتاب
عليه وسلم وقال حينئذ كلمته العظيمة، قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .
ومعنى الحديث: لم يأتِ هناك تشريع غير ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من حض الصحابة على الصدقة؛ ولكن هذا الرجل الذي بدأ بهذه السنة العملية فاقتدى بها الصحابة -بهذه السنة، بفعل هذا الرجل-، كل من جاء بعده دخل في أجره؛ كل واحد جاء بعد هذا الرجل وعمل بعد هذا الرجل، فعمل هذا التالي داخل في عمل الأول. فمن عظمة هذا الدين أن الأولية لها قيمتها؛ ولذلك لا يمكن لأحد أن يدرك شأن الصحابة رضي الله عنهم، لا يمكن، لأن أعمالهم هي التي أسست هذا الدين؛ وهم أول من طبق هذا الدين، فكل الناس يأتون تبعًا لهم، وما من عمل يعمله الناس بعد ذلك إلا ويقتدون بالصحابة.
هذه من الأسباب ... {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً} ؛ الذين أنفقوا في الأول والابتداء، هؤلاء درجتهم لا تسبق. هذه من الأسباب التي تميز فعل الصحابة رضي الله عنهم؛ فلذلك إذا أنفق أحدكم مثل جبل أحد لا يدرك مده ولا نصيفه، وهذا كلامه صلى الله عليه وسلم لخالد! أي للصحابة المتأخرين .. إذًا هي تقدير للأولية، القيمة للأولية.
لكن من الأعمال التي تميز أعمال الصحابة عن غيرها، هي الأعمال القلبية؛ اليقين على الله، التوكل على الله .. البلاء الذي وقع على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فصبروا ولم تتزعزع ثقتهم بالله، يقينهم بالله عز وجل كان من أعظم اليقين.
ولذلك هذا العمل القلبي يتم به تمايز الأعمال، تمايز درجات الأعمال؛ العمل القلبي مهم -التوكل على الله عز وجل، اليقين على الله، الثقة بالله عز وجل، حسن الظن بالله.
دعوني أصارحكم بكل ثقة وبكل محبة: هذه الكلمات لا تشرح! ماذا يعني التوكل على الله؟! الإنسان يسري في هذه الحياة، يمشي وهو يطلب الرزق، وهو يطلب النجاح، وهو يطلب الزوجة، وهو يطلب السعة في هذه الدنيا .. وهو يطلب السعادة كما يظن؛ فأين التوكل على الله؟! أين الثقة بالله عز وجل؟!
هذه المعاني لابد أن يعيشها المرء، لابد أن يحسها في قلبه، أن يتوكل على الله؛ كلمة التوكل هذه لا تصنع إلا بعد أن يفرغ القلب من النظر إلى الأشياء، لا يمكن أن يقع التوكل على الله في القلب حتى تسقط قيمة الأشياء وكأنها غير موجودة.