الأسباب -أيها الإخوة- أقامها الله عز وجل لأن هذه الحياة هي دنيا الأسباب، وكذلك الآخرة! شيخ الإسلام رحمه الله يقول: ما من شيء في الوجود إلا وله سبب في الدنيا والآخرة. ولكن هذه الأسباب هي حجاب عن رؤية اليد الفاعلة لها والمجرية لها والمقدرة لها والتي تجريها في أحوال الناس وتوزعها، تمنع هذا وتعطي هذا ... الثقة بالله عز وجل تحقق اليقين، واليقين يحقق الفعل، اليقين على الله يحقق الفعل.
الناس لا يدرون أن بهذا التوكل يتم الرزق؛ التوكل على الله يتم الرزق، اليقين على الله عز وجل يتم قضاء الحوائج.
أعمال القلوب -أيها الإخوة الأحبة- هي من أعظم الأعمال عند الله عز وجل، بل محط نظر الله عز وجل إلى هذه القلوب وما يجري فيها من أعمال؛ وهذه لا يمكن أن تنشأ إلا بالتمرين، وأن يكرمك الله عز وجل في مواطن بلاء وصدق تتوكل فيها على الله.
من هنا نفهم"لماذا كان السلف يحبون البلاء؟"؛ المرء لا يطلب البلاء، لا يطلبه، ما أوتي العبد خيرًا بعد الإيمان من العافية؛ العافية أمر عظيم، لكن لابد للمرء أن يقع في أحوال لا ينظر إلا إلى الله، لا يرجو شيئًا من أشياء الدنيا إلا ما عند الله عز وجل، ينظر إلى فعل الله عز وجل ... الصحابة رضي الله عنهم في كل معاركهم كانت هذه المعارك -إن فشلوا فيها- تمثل الاستئصال لجيل الصحابة، وهذه الحالة كانت تصنع فيهم التوكل على الله؛ كانوا لا ينظرون إلى الأشياء التي بأيديهم، لا ينظرون إلى قوتهم ولا إلى عددهم، ينظرون إلى الله.
والذي يصنع التوكل هو أن يكرمك الله في مواطن لا تنظر فيها إلا إليه؛ تنظر إلى فعله، ترجوه، حينئذٍ ترفع يديك مستغيثًا به استغاثة الغريق، طالبًا منه النجاة، ولا ترجو غيره؛ حينئذ يقع في قلبك هذا المعنى الذي هو نور يقدح في القلب، قبس، معنى ..
المرء يقع في ظروف يصعب عليه أن يتكلم عن هذه الكلمات! يعني: كيف التوكل على الله؟!
ادعُ الله عز وجل أن ترزق هذه المعاني، ادع الله سبحانه وتعالى أن يقذف في قلبك هذ المعاني فتدرك معانيها .. هذه معانٍ دقيقة، لا تتحصل بأن تذهب إلى الكتاب من أجل أن تشرح معنى كلمة التوكل، ولا بأن تسمع خطبة لتعرف كيف التوكل؛ التوكل هو حالة، اليقين على الله هو حالة، الثقة بالله حالة، حسن الظن بالله حالة ..