فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 137

إذًا: ما الذي يحقق البلاء ويجعله قرين الإيمان؟ هو أن الإيمان كلما علا وكلما ارتقى فلا يرضى إلا بالمهمات العظمى، ولا يرضى إلا بأعظم الأمور ... الإمام أحمد رضي الله عنه، بم رفعه الله؟ كان يسعه مثلًا أن يجلس ويختفي، كان يسعه أن يداهن، كان يسعه أن يأخذ بالتَقِيّة؛ ولكنه لم يفعل، فوقع عليه البلاء.

إذًا: البلاء عندما يقترن مع الإيمان بسبب اختيار الإيمان، فإذا نزل الإيمان - «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» ينكر في قلبه ويعتزل- فحينئذ مقامه من الإيمان هو هذا المقام، فإذا زاد إيمانه زادت معرفة الناس له أنه ضد هذا الباطل الذي هم فيه، وأنه يصرح به ليل نهار.

أشد الناس بلاء هم أهل الجهاد؛ لو أنهم جلسوا في بيوتهم ولم يجاهدوا لما وقع عليهم البلاء .. لكن أنهم يقوموا بالجهاد فهذا يعني أن تقطع أرجلهم، أن يهاجروا بيوتهم، أن تراق دماؤهم وأن تزهق أرواحهم.

فإذًا: كيف يتحقق البلاء مع الإيمان؟ عندما يرتفع الإيمان فحينئذ لا يختار إلا العزائم .. وهنا تأتي الكرامات الإلهية؛ انتبهوا! المرء لا يختار طريق الشدة، المرء لا يختار طريق البلاء، لكنه يقع بين خيارين: إما أن يقول الحق فيكون إمامًا، وإما أن يسكت ويسعه السكوت. ولكن لا يجوز له أن يختار الباطل؛ المرء يمكن أن يختار السكوت فهذه درجته، ولكن إذا اختار الصدع بالحق فهذه مقامات الكبار. وهنا يأتي اختيار الله عز وجل للعبيد؛ ترى أن الأمر الإلهي هو موجه لكل الناس، فيقوم هذا ويقوم هذا .. يختارهم الله، لماذا؟ للمعاني التي في قلوبهم؛ معاني الصدق، معاني الحب حب الله عز وجل، معاني التفاني في رضا الله عز وجل.

البويطي -من أعظم تلاميذ الشافعي، رحمهما الله- لما صارت فتنة خلق القرآن وقف في المسجد وقال: القرآن كلام الله، فأُخذ .. فعابوا عليه وقالوا: لم تصرح بهذا؟! قال: حتى يرى الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقول كلمة الحق. انظر!! هو ينظر إلى الله أنه يفرح أن هناك من بذل روحه لله؛ قال الحق من أجل أن يفرح الله، الله عز وجل يحب ذلك منه.

عليك أن تنظر إلى نفسك .. ومن كرامة الله عز وجل أن يختارك؛ أنت ليس لك الخيار {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ، الخيار ليس لأحد، {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ؛ هذا اختيار إلهي وتوفيق إلهي واصطفاء .. كما أن النبوة اصطفاء، فتحقق بعض معانيها من أعمال النبوة -من الصدع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت