إذًا: هذه الدنيا ليست هي دار الكرامة، إنما دار الكرامة هناك .. في جنة عدن؛ التي وصف الله عز وجل أحوالها وما فيها وصفًا ممتعًا في كتابه، مشوقًا للقلوب من أجل تصبيرها -أي: هذه القلوب- من أجل مواصلة الرحلة. هذه الجنة التي هي مستقر المؤمنين بعد طول العناء في هذه الدنيا، وطول البلاء، وطول الصبر، وطول الجوع .. بعد طول الجهاد، بعد طول الصيام، بعد طول القيام، بعد الصبر على الدعوة إلى الله عز وجل والبلاء؛ بعد هذا كله، هناك في جنة عدن حيث النعيم المقيم الذي لا نهاية له، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} -وردت {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} عن الجنة في القرآن، وردت بمقدار أبواب الجنة الثمانية؛ وردت {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} في القرآن ثمان مرات- هم خالدون فيها أبدًا، لا موت.
بعد أن يصير أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، يؤتى بالموت على صورة كبش، فينادى أهل الجنة: من هذا؟ فيقولون: الموت!! -عرفوه، كلهم قد ذاق الموت في هذه الدنيا- وينادى أهل النار: من هذا؟ فيقولون: الموت!!. فيذبح الموت ويموت؛ الموت مخلوق، ينتهي خلاص .. لا موت؛ فينادى على أهل الجنة: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت.
هناك {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) } ؛ لا يحزنون على شيء فاتهم، ولا يخافون من شيء قادم؛ لأن الجنة هي أرض السلام، دار السلام، ليس فيها إلا السلام .. الملائكة يطوفون عليهم يسلمون عليهم، والله يطلع عليهم من فوقهم ويسلم عليهم؛ وتحيتهم فيها فيما بينهم السلام. فهي سلام، لا يوجد فيها ما ينغص، لا يوجد فيها ما يخيف، لا يوجد فيها ما يتعب؛ هذه أرض السلام.
وفيها ملك عظيم لكل من يدخلها .. النبي صلى الله عليه وسلم وصف آخر رجل يدخل الجنة، يخرج من النار من عصاة الموحدين؛ فبعد أن يخرج -كما في الصحيح- هذا العبد من النار، يلتفت إليها وينظر إليها قائلًا: الحمد الذي أعطاني ما لم يعطه أحدًا، الحمد الله الذي نجاني منك. فما أن يستقر به المقام بعيدًا عن النار حتى يقام له شجرة ذات ظل -وجاء في الصحيح أن شجر الجنة يمشي العبد في ظل الشجرة مائة عام لا يقطع ظلها .. هناك {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) } نعيم وملك. وهناك لا يوجد ملك مقصور، ولكنه ملك فسيح متسع- فيقيم الله عز وجل له هذه الشجرة فينظر إليها -الإنسان هو الإنسان: لا يشبعه وادٍ ولا واديان من ذهب!! ولو كان له وادٍ لتمنى أن يكون له وادٍ آخر- فالله يقيم هذه الشجرة، فينظر العبد إليها ... حمد الله أولًا أنه خرج من النار، ورأى أنه من أعظم الناس عطاءً وكرامة؛ لكنه