الآن ينظر إلى هذه الشجرة! فيطلب من الله عز وجل يسأله أن يقربه من هذه الشجرة، يسمح له أن يقترب من هذه الشجرة من أجل أن يشرب من مائها وأن يستظل بظلها، فالله عز وجل يقول له: «أتراني إن أعطيتك هذه الشجرة كنت سائلي غيرها؟» فيقول: وعزتك وجلالك، لئن أعطيتني هذه الشجرة لا أسألك غيرها؛ فيعطيه الله عز وجل الشجرة. فلما يستقر تحت هذه الشجرة ينظر إلى الجنة العظيمة، ينظر إليها فيسأل ربه سبحانه وتعالى أن يدخله الجنة من أجل أن يتنعم بها!!. فيذكره بقسمه الذي أقسمه أنه إذا أعطي هذه الشجرة لا يطلب غيرها؛ فيقول: إن أعطيتني الجنة لا أسألك غيرها .. فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الحديث -وهو من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه- لما حدث عبد الله بن مسعود بهذا الحديث ضحك، فقال: هلا سألتموني لم أضحك؟ فسألوه؛ فقال: أضحك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بهذا ضحك، فسأله الصحابة: لم ضحكت؟ قال: يضحك لأن الله ضحك من هذا العبد .. قال له بعد ذلك: «لك مثل ملك أهل الأرض مرة ومرة ومرة .. » قال: أتسخر بي وأنت الملك.
فهذه الجنة نعيم ... شرابها أُكرم بأن ينسب إلى عطاء الله؛ الله عز وجل قال: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) } ، العطاء الأول أن هذا الشراب من الله، كرامة من الله، {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ} ، الله سبحانه وتعالى يريد أن يكرمهم؛ ولذلك جاء في الحديث أن الله لم يخلق بيده في الوجود إلا أربعة ومنها هذه الجنة .. الله جل في علاه بنى هذه الجنة بيده الكريمة لتكون إكرامًا لعبيده.
لا يستطيع المرء أن يصف هذه الجنة، لا يستطيع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» .
ما يحدث القرآن عن الجنة -عن الرمان، عن النخيل، عن الثمر- إنما هي أسماء تبعث هذه النفوس للشوق إليها؛ وهذه أشياء جميلة في ذهن المرء دالة على الجمال، وهو لا يستطيع أن يتصور الجمال إلا بما يحسه أو يتخيله. ولكن ما في الجنة هو فوق ما أحسه في هذه الدنيا، وفوق ما سمع في هذه الدنيا، بل فوق ما خطر على قلبه في هذه الدنيا.
هناك في الجنة {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) } ؛ العلماء قالوا: الشراب الطهور هو الشراب الذي لا ينتج منه قذارة. كرامته -أولًا- أنه من الله، وكرامته -ثانيًا- أنه طهور، أي: مطهر لغيره؛ وكأن البدن ينقى بهذا الشراب ..