جلالتها وعظمتها كعلوم السنة، إلا بعد أن يفرغ المرء من علوم القرآن؛ أو أن يذهب في مسألة من المسائل يرجوها، أن يذهب أولًا إلى القرآن الكريم.
مع هذا القرآن، ومع هذا الشهر الكريم، نتعلم -مذاكرةً فيما بيننا- ما يسمى بمفاتيح السور؛ وذلك بالنظر إلى مقاصد السور الكلية، فإن معرفة المقاصد الكلية للسورة علم، هو مفتاح طلبك العلم في المسألة.
القرآن تنظر إليه في الآية الواحدة على مستويات متعددة:
المستوى الأول: وهو أن تنظر ماذا تفيد الآية بذاتها .. وربما يسبق النظر في الآية بذاتها النظر إلى مفردات هذه الآية، فإن هذه المفردات يجب العلم بها، والكثير من مفردات اللغة ذهبت من أذهان الناس وذهبت من علومهم ومن مذاكراتهم؛ فلذلك: الباب الأول الذي تسعى إليه -من أجل الدخول إلى تعلم القرآن- هو معرفة مفردات هذه الآية، ماذا يقصد ربنا سبحانه وتعالى بهذه الكلمة؟ وهذه الكلمة لما كان القرآن قد نزل بلغة العرب، فإن هذه الكلمة عربية، يُعرف معناها من تواضع العرب على معنى هذه الكلمة؛ ولذلك يذهب المفسرون -كما كان شأن كبار المفسرين، كحبر القرآن ابن عباس- إلى أشعار العرب لمعرفة معنى هذه الكلمات .. وبعد ذلك ينظر إلى الآية: ماذا تفيد هذه الآية؟. نحن نجد أنه لو استقلت آية بالذكر لدلت على معنىً تام، معنىً كامل، وهذا من إعجاز القرآن؛ ربما الكلام الذي يتكلمه المرء لا تقوم معرفته معرفة تامة إلا بمعرفة جملته عامة، ولكن لو ذهبت إلى القرآن -حتى مع الآيات القصيرة، كما سنرى في جزء عم- تجد أن الآية الواحدة تدل على معنىً تام فيه الغذاء الكامل.
ولكن يجب أن ترتقي في هذه المعرفة بعد معرفة هذه الآية وما تدل عليه؛ وهو معرفة هذه الآية ما قبلها وما بعدها، وهو الذي يسمى بالسباق والسياق؛ أن تذهب إليها معرفةً بها ومعرفةً ما قبلها، لترى هذا الترابط ..
هذا القرآن محكم، ومعنى الإحكام أولًا هو أنه مترابط في معناه ومترابط في ترتيبه للمعاني؛ يرتب المعاني ترتيبًا محكمًا، على شكل البناء الذي لا يقوم فرده بنفسه فقط أنه قوي، ولكن كذلك يقوم بمعانٍ أخرى حين ترابطه مع الآيات الأخرى أو اللبنات الأخرى.
فلذلك عليك أن تعرف: ما هذه الآية؟ ما هو سياق الكلام فيها؟ ما هو السباق الذي تقدم ذكره؟.