وكذلك تذهب إلى مستوى آخر بعد أن تربط هذه الآية بما قبلها وما بعدها؛ وهو أن تربطها بسياقها من جملة السورة.
فقد يكون الحديث هنا عن نعمة الله، ليس فقط في الآية المتقدمة ولكن في آيات متقدمة، وليس فقط في آيةٍ تالية في السياق ولكن في آيات تالية ..
تنظر إليها ضمن موضوعها الذي تتحدث عنه ..
قد يكون الحديث عن نبي من الأنبياء في جزء من هذه السورة، فلذلك تذهب إلى هذا الجزء لترى موطن هذه الآية من هذه الجملة التامة.
ثم بعد ذلك عليك أن تضع هذا الجملة العامة الدالة على الموضوع، أن تضعها ضمن سياق السورة بأكملها، ماذا يراد بهذه السورة؟ وهذا علم جليل.
إذًا: أنت تنظر إلى مستويات متعددة بالنسبة إلى قراءتك للقرآن؛ ويمكن أن تذهب ابتداءً إلى مفاتيح السورة، وذلك بالنظر إلى مقاصدها الكلية.
ومن الأمور التي ينبغي أن تهتم لها هو وجه السورة، الذي سماه"سيد"بشخصية السورة، السورة لها شخصية .. نحن نجد أن ثمة كلمات -مثلًا- تتردد في سورة ما، {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) } ، تجد {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } ، تجد صفة العذاب المهين في سورة"النساء"، تجدد تكرر نعمة الله في سورة"النحل"-وكما يقول ابن القيم: هذه سورة فيها أصول النعم الربانية على الخلق- وهي دالة على النعم، فيها النعم الكثيرة، وكذلك تكرر كلمة الولاية في سورة"الشورى"، وهكذا .. تكرر كلمات في السورة لتدل على شخصيتها، وتدل على الحديث عن ماذا يدور.
وهذه كلها مداخل -أيها الأخ الحبيب- من أجل أن تدخل إلى المقاصد الكلية للسورة.
النظر إلى المقاصد الكلية يريح من عدة جهات: يعرفك موطن هذه الآية من القضية الكلية في السورة ..
وأنا لما شرحت وفسرت سورة"العنكبوت"-وأضرب هذا للتمثيل- لما اختلف العلماء في وقت نزولها: هل نزلت مكية أو مدنية؟ ولم يأتِ هناك نص قاطع فيها؛ هناك من يقول أنها مدنية لأسباب -مثلًا فيها ذكر المنافقين- وهناك من يقول أنها مكية، لأنها حديث عن قضية الهجرة، وحديث عن قضية الابتلاء الذي يعيشه المسلمون في مكة أكثر وأوضح؛ فاختلف العلماء. فذهبت إلى السورة بنفسها، من أجل أن أقرأ موضوعها، لأعلم من خلال الموضوع