وهذا إن تفكرت فيه وجدت أن هناك ثمة مناسبة في ترتيب السور؛ مع العلم أن العلماء قد اختلفوا اختلافًا يسيرًا: هل ترتيب السور وقفي أم أنه اجتهادي؟ والصواب: إننا نرى أن هذا القرآن لم يتدخل فيه اجتهاد بشر، ولو دخل فيه اجتهاد بشر ما فإنما هو بهداية الله سبحانه وتعالى وتوفيقه. فالأمر لا يخرج عن هذا المعنى الذي ذكرناه .. وهذا يقوي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحزبون القرآن، كما في الحديث، إجماعًا منهم، ولا يمكن أن ينشأ الإجماع في زمن الصحابة رضي الله عنهم إلا بهدي نبوي يرشدهم إليه؛ والحديث «كيف يحزبون القرآن؟» ، يحزبونه"ثلاثٌ وخمسٌ، وسبعٌ وتسعٌ و ..."وهكذا؛ فدل هذا على أن هذا القرآن رتب بهداية ربانية وبأمر رباني، ولو رتب غير ذلك لاجتهد الناس اجتهادات مختلفة .. يعني: لم تكون سورة الأنفال مع المئين وليست هي منها؟ وهكذا السور .. ، تجد السورة الطويلة -كما في جزء عم الذي بين أيدينا- تجد أن سورة الفجر تكون بعد سورة الغاشية مع أنها أطول؛ ولو كانت العبرة بالطول -مع أن القرآن قسم على هذا المعنى في بعض أجزائه- لو كان الطول لوضعت سورة الفجر قبل سورة الأعلى، ولوضِعت سورة النساء قبل سورة آل عمران. فدل هذا كله على أن ترتيب القرآن وقفي، وأنه أمر إلهي، ولا يجوز للناس أن يغيروا فيه شيء، وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم -وأعيد: لا ينشأ الإجماع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا بإرشاد نبوي علمهم إياه-.
فإذًا: ممكن أن تعرف مقاصد السورة التي تريد البحث فيها من خلال خاتمة السورة التي سبقت؛ وسأضرب مثالًا على هذا حتى نمشي في كيفية معرفة مفاتح السور:
سورة يوسف كانت بعد سورة هود، وسورة يوسف {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} . هي حديث عن القصص القرآني، ولكن ما مقصد هذه القصة؟ مقصد هذه القصة مذكورة في السورة التي قبلها في خاتمتها؛ انظر إلى ما يقول الله عز وجل في خاتمة سورة هود -وهي السورة السابقة لسورة يوسف عليه السلام- علمت أن الحديث عن القصص، ما هو مقصد القصص؟ {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } . هذه الآية التي سبقت سورة يوسف دالة على مقصد القصة التي في سورة يوسف؛ علمناها من خلال ما سبق، ارتبطت بها وبمعناها .. ما مقصد هذا القصص؟ {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } .. مقاصد عظيمة {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} ، {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ} ، {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } ؛ في آية واحدة أجملت مقاصد السورة التي تليها.