هذه طريقة تحتاج إلى تفكر في السورة التي سبقت والتي تلت، وخاصة في خواتيم السورة التي سبقت؛ هذه طريقة يمكن أن تسلكها وأن تعلمها.
كذلك من الطرق التي تسلكها في معرفة المقاصد الكلية، هو أن تقرأ السورة قراءةً منفردة لكل آية ولكل جملة فيها، لكل جملة معانٍ فيها؛ وترى هذا الترابط بين هذه الجمل المتعددة وهذه الآيات المتعددة. وهذه هي الطريقة التي ينبغي أن تسلكها وهي الطريقة الأهم؛ وهذه تحتاج إلى وقفة من أجل بيان أسلوبها وطريقتها.
كذلك من مهمات معرفة هذه الطريقة، هو أن تعرف مقدمات السورة؛ العرب يقولون بأن مفتتح الكلام هو أهم الكلام، ولذلك مما ذكره سيبويه وذكره كذلك الجرجاني، ذكروا مهمات المقدمات، وأن الذين يكتبون يُفْرغون علومهم وعقولهم وإبداعاتهم في المقدمات؛ وهذا شأن القرآن كذلك ..
المقدمة القرآنية للسورة تكون غنيةً غناءً عظيمًا، بها يستفرغ ما بعدها فيها، وبها يُجمل ما بعدها فيها؛ ولكن هذا يحتاج إلى تبصر في نوع الحديث عن هذه المقدمة، وهذا أمر سنراه -مثلًا- في السور المكية، في جزء عم، نراه بينًا ..
انظر لما يقول في سورة النور: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} مع ما فيها من التنبيه، ومع ما فيها من العظمة والإجلال للحديث عنها، وما فيها من انفراد ذكر لم يسبق أن تقدمت سورة بمثل هذا الذكر لها {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} ؛ كأن هذه السورة فيها بيانٌ مهم لقضية مهمة، يلقي عليها ظلالًا من التنبيه والتنويه والعظمة؛ هذه تنبئك عما فيها .. {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} إذًا هناك فرائض. {وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ} إذًا هناك أحكام .. هذه سورة لو أن امرأً يمشي -لم يعرف شيئًا عن سورة النور- فقيل له: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) } ، وسئل: ما بعد هذا الكلام؟؟ لعلم أن ما بعد هذا الكلام سيكون أحكامًا وفرائض وشرائع تعلم الناس شأن حياتهم؛ وكذلك ستكون هذه الأحكام مرتبة .. {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} لا نريد أن ندخل الآن في"من أين اشتقت كلمة سورة؟"، ولكن هذه سورة محكمة فيها ترتيب -فوق أنها آيات بينات- فيها ترتيب لقضية الرقي من خلال الإنسان ومن خلال المجتمع، ومن خلال ذكر موانع المعصية إلى الوعد الإلهي بالتمكين {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاة} .
إذًا: هذه المقدمة دلت على المعاني؛ وهذا الأسلوب للوصول إليه وإدراكه ينبغي للمرء أن يكون حاملًا .. وله تجربة في قراءة دلالات الألفاظ الكلية على الجزئية؛ وهذه مرتبة كبيرة جدًا