أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... *** ... بحومانة الدراج فالمتثلم
هو وقوف على الأطلال .. يعرفون هذا؛ يتحدثون عن ناقتهم، يتحدثون عن محبوباتهم، يتحدثون عن بيوتهم وأطلالها .. ؛ لكن هذا القرآن جاء ليتحدث عن قضايا ليست من أخبارهم، كالحديث عن النار، الحديث عن الجنة، الحديث عن الله بأمر لا يعرفه العرب -لا يعرفونه بمثل هذا الاتساع؛ يعرفون أنه الله وأن له أسماءً وأنه الخالق، ولكن ليس بهذا الاتساع-؛ فلذلك كان من إعجاز القرآن أنه تحدث بصيغة جديدة في علوم جديدة وتفصيلية ودقيقة. وليس القصد فقط ما يقوله الذين يتحدثون عن إعجاز القرآن العددي والعلمي والنفسي؛ ولكن الموضوع أكبر من ذلك بكثير، وهو الحديث عن الله، الحديث عن الجنة، الحديث عن ما يحب الله وما يبغض.
نعود فنقول: إن العلم الذي يحصل بالنظر إلى القرآن والتدبر فيه هو فوق قضية المعلومة؛ ومرات لا يحصل علمٌ جديد بمعنى معلومة جديدة ولكن يحصل أثرٌ جديد، أي: إيمانٌ جديد في القلب.
العامي عندما يقرأ القرآن، لو أتى إلى آية، لو أتى إلى {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ، فهو ربما لا يخرج منها إلا كما يخرج بحسب مرتبته من العلم، وهي أنه عامي؛ لكن في لحظة من لحظات الإيمان، وفي لحظة من لحظات الخشوع والإقبال على الله، وفي لحظة من العطاء الإلهي والكرم الرباني في رفعة هذا القارئ المخبت، يلقي ربنا سبحانه وتعالى على قلبه من المعاني الإيمانية ما تدفعه أن يقشعر بدنه وأن تبكي عينه.
هذا علمٌ لا يتعلق بزيادة معلومة خارج ما عنده، لكن هذا علم آخر وهو علم الإيمان؛ يستقر في القلب من اليقين ما لا يكون في قلب من عنده المعلومات.
ولذلك: بعض أهل العلم ممن كان يبحث الأمور على طريقة كلامية منطقية، لا يحس بما يحس به العامي من اليقين. وزيادة اليقين على العلم هو علم؛ بل إن العلم الذي لا يحصل به اليقين ليس هو من العلم في شيء، لأنه شك؛ العلم الضعيف الذي ليس في قلب المرء على معنى الثبوت واليقين، هذا ليس من العلوم، لأنه ظنون؛ إذا جاءت عليه الشبهات أزالته، فليس من العلم؛ وإنما يكون العلم بحسب تمكنه من القلب ويقين القلب عليه.
هذه الواردات الإيمانية التي تأتي على العبد العامي الذي لا تحصل عنده معلومة جديدة -كما قلت-، ولكن يحصل عنده العلم اليقيني الذي لا يكون في قلب غيره؛ حتى ولو كان