متكلمًا أو خطيبًا أو مدرسًا عنده بكثرة النظر إلى القرآن .. وما يحصل بقراءة القرآن من سقي لجذور الثقة بالله، والعلم بالله، والخوف من الله، ومحبة الدار الآخرة، والخوف من لقاء الله عز وجل؛ يحصل بقراءة القرآن من السقي، ري يروي هذه العلوم فتقوى؛ وهذا من العلم.
إذًا: هذه دعوة القرآن للتدبر؛ ليس فقط من أجل استخراج المعلومة .. وهذا علم لا يستطيع المرء أن يبين به عن نفسه بلسانه، إنما يبين به بدنه، يبين به موقفه، تبين به عينه؛ عينه تبين أن العلم قد زاد في قلبه بكثرة الري والعناية من خلال القراءة والتدبر الإيماني، عينه تبين عن زيادة هذا بأن تدمع خاشعة خائفة؛ جسده يقشعر، وربما بكى -ليست العين تدمع فقط- وربما بكى حتى تخضل لحيته من دموعه خوفًا من الله وتأثرًا بهذه الآية.
هذا علمٌ حقيقي يحصل من خلال التدبر لهذا القرآن؛ فعلى العامي أن لا يقول: أنا لا أستفيد!! بل هو يستفيد، وتظهر مواقف هذه الاستفادة بما ذكرنا، وبأمرٍ آخر عند حلول الشبهات أو الشهوات.
ربما تأتي إلى رجل يعرف الآيات، ولكن لا يسقي معانيها من خلال التدبر وكثرة الوقوف بين يدي الله، فتأتي عليه شهوة فيمشي وراءها ولا يتذكر هذا القرآن، لأنه ضعيف الصلة في قلبه، ضعيف الصلة غير متجذر؛ فتأتي الشهوة فتكون أقوى من أن يحصل من القرآن الردع في متابعتها، مع أنه يحفظ القرآن.
ولكن يأتي العامي، فتأتيه الشهوة فيتذكر آية {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) } ، يتذكر موقف يوسف عليه السلام؛ فيكون العلم أقوى في قلبه .. المواقف.
تأتي الشهوات بأن يبيع دينه .. تجد الشيخ يعرف الآيات {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) } يعرفها العالم، ولكنه تأتي إليه الأموال ليبيع دينه للسلطان، يبيع دينه للطاغوت، يبيع دينه لغير الله عز وجل؛ فتجده قد نسي هذه الآية، غابت عن ذهنه، لم يعد لها وجود في نفسه؛ لماذا؟؟ لأنها غير متجذرة وليست من العلم اليقيني في قلبه.
تأتي على عامي يكثر من ذكر الله، ويكثر من قراءة القرآن، وسقى هذه المعلومة {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) } -هذه يعرفها كل مسلم، اسألوا المسلمين: هل تعرف هذه الآية {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) } ؟؟ يقول: نعم أعرف هذه الآية؛ يعرفونها- فتأتي إليه الشهوات