للحديث عن شيء آخر مرتبط به، فيتوسع الحديث ويستطرد المرء، يذهب مطردًا الحديث عن هذا الجانب ثم لابد من العودة.
الذي لا يتابع هذه الطريقة من الاستطراد يظن أن الموضوع قد خرج إلى موضوع آخر، فلا يستطيع أن يعود إلى الموضوع الأصلي؛ طبعًا كلمة"الاستطراد"بعض أهل العلم من البلاغيين أنكروا هذه اللفظة، ولذلك نختار كلمة جديدة وهي"فتح الأقواس"؛ ماذا يعني"فتح الأقواس"؟؟ هو أن يكون الحديث جاريًا عن الموضوع، فيأتي ذكر قضية ما، هذه القضية تحتاج إلى شرح وتحتاج إلى إبانة، فيبدأ الحديث عن هذا الموضوع الجديد، فيُفتح القوس ثم يبدأ الحديث عن هذا الموضوع الجديد؛ وربما في هذا الموضوع الجديد نفتح قوسًا أصغر من الأول، حيث يوصلنا إلى قضية أخرى يحتاج فيها للبحث من أجل أن يبنى البناء بناءً علميًا تامًا محكمًا؛ فنفتح قوسًا صغيرًا لنتحدث عن القضية التي تفرعت عن القضية الأولى، وتفرع عن هذا الفرع فرع آخر أصغر منه؛ وقد يفتح قوس آخر وقد لا يفتح .. وحينئذ لابد من العودة إلى القضية الأولى.
فمن لا يتابع، ومن لا يلقي السمع وهو شهيد، ولا يكون ذكيًا حاضر القلب، طالبًا من الله الهداية والزيادة؛ فإنه يظن أن الأمر قد فلت وخرج إلى مواضيع"ما الرابط بينها؟!!"، وينسى العودة إلى القضية الأولى.
هذه قضية -وهي النظر إلى ما تقدم- هذه مهمة جدًا، لأنها تعلمك طريقة معرفة المقصد الكلي للسورة؛ و هذه الأقواس المتعددة لا تعني أن الحديث خرج عن ما نحن فيه، بل ما زلنا في الموضوع، ولكن لأن هناك مواضيع أخرى تعلقت به، فلابد من الحديث عنها.
طبقت هذا عند بعض أهل العلم في سورة فصلت وتحدثت عنه، وكذلك طبقته في سورة الشورى .. سورة الشورى لو بحثت فيها لوجدتها تدور حول قضيتين: قضية تنوع الخلق وقضية وحدة الحق؛ سورة الشورى تتحدث عن هاتين القضيتين وهما قضية واحدة، وهي قضية المقابلة ما بين الشرع وما بين القدر، وكلاهما من الله؛ فالشرع له وجه من الخلق الإلهي يختلف عن الوجه من الأمر الإلهي.
الشرع يقول: إن الحق واحد لا يتعدد، وليس كل مجتهد مصيب، بل"إذا اجتهد العالم فأخطأ"يمكن للعالم أن يجتهد فيخطئ، له أجر ولكن يبقى قوله تحت مسمى الخطأ؛ ولكن الخلق متنوع. {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا} فهنا قنوط، يوجد منع ويوجد عطاء .. {* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} . الخلق -القدر- لا يأتي كله، بخلاف الحق يأتي