إذًا: هنا إشارة إلى أن الحديث الذي سيكون بعدها هو حديث عن قضية يوم الفصل وما فيه؛ لكن الحديث عن يوم الفصل يدور في مستويات متعددة. من هذه المستويات: الحديث عن المنكرين، الحديث عن حالهم معه، الحديث عن مقدماته، الحديث عما يجري فيه، الحديث عما يكون للمؤمنين .. ؛ فالحديث عن اليوم الآخر هو حديث متشعب متعدد الجوانب.
هنا تبدأ -كما تقدم- السورة بالحديث عن مقصدها؛ والسور القصيرة يكون الدخول في مقاصدها مباشرة؛ ولأننا سنرى -إن شاء الله- أن بعض السور يمهد في مطالعها للمقصد الذي تريده هذه السورة، كما سنرى في سورة"يونس"..
في سورة"يونس"يمهد مطلعها لأهم مقصد فيها -مع أن المقاصد متعددة، وإن كانت تشترك في قضية علاقة الناس مع الإيمان ومستوياتهم، ولكن سورة يونس -كما سيأتي- تتحدث عن قضية الإيمان الذي يقع به الاختيار، وليس الإيمان الذي يقع به الإجبار عند اللحظة النهائية من الحياة؛ {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} ، الحديث عن هذا؛ ولذلك فيها -كما سنرى- عندما آمن فرعون {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ} ، لم يقبل الله عز وجل إيمانه الذي نشأ عن طريق الاضطرار -لحظة الغرغرة كما في الحديث- ويشرح هذا نص النبي صلى الله عليه وسلم. فهناك في سورة"يونس"نرى تمهيدًا في مطلعها لمقصدها الكلي؛ ولكن السور القصيرة يكون الكلام مباشرة داخلًا في المقصد.
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) } قلنا: هذا حديث عن انتصار كلمة الحق، وأنها استطاعت أن تدخل حوارًا داخليًا في داخل المجتمع الجاهلي؛ حديث يدور بين الكبار، هذا الحديث ليس عن الصغار وليس عن التابعين، إنما الحديث عن الكبار، حديث عنهم هم الذين يجابهون الدعوة، هم الذين يقاومونها؛ فجاء الحديث عما يدور بينهم من الحوار ..
مما يقتل الداعي -وهذه نقطة جديدة- هو أن يقع في ظنه ووهمه أن الآخر معرض عنه؛ القرآن عالج هذه القضية في مواطن، منها هاهنا ومنها في سورة"الشعراء". في سورة الشعراء: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) } ، هذا حديث معرض وحديث مستهزئ، ولكن تابع النبي ولم يقف عند هذا الاستهزاء ولم يره مانعًا له من التبليغ؛ يعني هكذا يبدؤون معك، يبدؤون بالاستهزاء -والاستهزاء هو حالة من حالات الإعراض- ثم يبدؤون بالانتباه على وجه من النقد، ينقدون، يحاورونك .. وهذا انتصار، مجرد أن يقبل الخصم أن يحاورك هذا