انتصار؛ وبعد ذلك يتم الإلزام، فحين يقع الإعراض مع الإلزام يقع التهديد {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) } . انظر إلى الحالة الأولى من الاستهزاء به إلى التهديد!! وبعد ذلك قَبِل فرعون بالمناظرة العلنية، وهذا انتصار.
الدعوة لا تسير سيرًا فجائيًا خارجًا عن إطار السنن، ولكنها تتدرج في تعاملها مع الخصم من أجل أن يتحقق المقصد النهائي من انتصار الحق. وهو {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) } ، هذا انتصار؛ وقع الانتصار بأنهم بدأوا يتحاورون عن هذه القضية ..
أعود وأقول: مما يقتل الداعي أن يظن أن الآخر لا يلتفت إليه؛ هو يتصنع التغافل، يتصنع الإعراض -لا يسمع لك .. لا قيمة لك- لكن في الحقيقة: هو يذهب ويرى وينقب عما تقول. وهذا نجده حتى عند خصوم العلماء وعند الخصوم في الدعوة؛ تجدونهم يردون يقولون: هذا الطفل صغير لا يُسمع له!! ولكن في النهاية يبحثون عما يقول، ويتشوفون لما يحكيه، ويبحثون عن كتبه .. حتى وأنت تكتب في هذه الوسائل الجديدة الموجودة اليوم، هم يظهرون أنه لا قيمة لك، ولكنهم يتسللون ليعرفوا ماذا تقول؛ وأنت من خلال هذا التسلل تصنع فيهم انهيارًا لما هم عليه وضعف، وكذلك تصنع عندهم حقدًا زائدًا لتصل إلى الذروة من المواجهة بين الحق والباطل.
فهذا انتصار؛ القرآن يسجل انتصارًا في قضية الحديث عن اليوم الآخر، وهي قضية إيمانية مهمة جدًا؛ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) } هو نبأ عظيم، الله يقرر أنه نبأ عظيم، ولعظمته دخل في مجالسهم حوارًا ومناقشة ومخالفة قبولًا وردًا. إذًا: هو حديث عن اليوم الآخر؛ الصواب كما قال قتادة، وإن كان مجاهد يقول: إن النبأ العظيم هو القرآن، وهذا الذي مال إليه الشيخ دراز؛ والصواب أن النبأ العظيم هنا هو اليوم الآخر.
{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) } هنا العلم بمعنى الحقيقة، {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) } أي: سيرون الحقيقة، {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) } ؛ {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) } هم يعلمون أن الحق معكم، ولكن هو يقول سيرون، سيتحقق؛ وهذا العلم بمعنى الحقيقة. ما هو العلم؟ العلم هو الصدق، هو الإخبار عن الشيء كما هو؛ المهم هنا -كأننا نفسر تفسيرًا تامًا!! ولكن لابد من أجل النظر إلى المقصد الكلي ..
هو حديث عن يوم القيامة؛ ولكن لأنهم قد اختلفوا وحصل التنازع، فظنوا أنهم بإلقائهم هذه التهمة -أن الله ليس بقادر على أن يحيي الموتى- جاء قوله سبحانه وتعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ