الْأَرْضَ مِهَادًا (6) ثم تقرأ هذه الآيات التي فيها دلالة على قدرة الله، ولكن ينبغي أن تلج إلى داخل هذا التنوع في هذا الخلق.
قد يقول قائل: إن الله يقدر أن يخلق من لا شيء -هب أن رجلًا قاله، مع أنه خلاف القياس العقلي الأولي- لو أن رجلًا قال: يقدر أن يخلق ابتداءً، ولكن لا يقدر أن يعيد، لأن الإعادة فيها معانٍ لا تكون في الابتداء!! وقد يحتج محتج اليوم بمقالة الجاحظ مثلًا، الجاحظ يقول: إن الرجل يستطيع أن ينشئ صفحات من جهة نفسه، لكن أن تصحح خطأ الكاتب أصعب عليه من أن ينشئ إنشاءً جديدًا؛ قد يقوله!! مع أن هذا القياس فاسد، لكن قد يقوله.
لكن هنا القرآن -في ذكر هذه المخلوقات الدالة على قدرته النافذة والمطلقة- ذكر تنوعًا عجيبًا، من الشيء وضده أو الشيء وما يقابله؛ انظر {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) } مهادًا: سهلًا؛ وخص الجبال لما فيها من خصوصية؛ والجبال ذكرها في القرآن كثير مما تختص بذكره، لأنها مخلوق عجيب؛ فالمهم: الأرض مهاد ولكن الجبال أوتاد، الأرض سهلة والجبال ليست كذلك هي أوتاد. انظر إلى هذا التنوع الدال على أن القدرة لا تجري في اتجاه واحد، ولكنها مطلقة تصنع الشيء وضده، وتوجد الشيء وتميته، ثم تعيده إلى الحياة، وهكذا. إذا رأيت هذا المعنى، رأيت أن الاختلاف قد قضي عليه، الاختلاف الذي ينشئه وهم عدم تصورهم لنفاذ القدرة المتعددة والمتقابلة، قد قضت عليه هذه المعالم الدالة على قدرته.
{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) } ما هو الزوج؟ الزوج ليس نفس الشيء ولكنه قسيمه، وقسيم الشيء ليس هو؛ {أَزْوَاجًا (8) } الشيء وضده، خلق الله السالب والموجب، خلق الذكر والأنثى، خلق النار والماء، وهكذا، {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) } .
{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) } هذا حديث من أجل أن يبين أن القدرة مطلقة في قضية المتناقضات والمتعارضات وأنه لا يعجزه شيء؛ ثم بعد ذلك الله عز وجل -لأن هذا لابد منه- ذكر سبحانه وتعالى ما سيقع في يوم القيامة، {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) } هدم لهذه المكونات الموجودة {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ} التي ذكرها، انظر كيف كانت الجبال .. لما ذكر الجبال ذكر المهاد، لكن يوم القيامة كيف ستكون الجبال؟ ذكر هذه المعالم الموجودة وكيف ستتحول يوم القيامة إلى صور متعددة.