خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ فهي حديث عنه؛ وليس في القرآن نداء للنبي صلى الله عليه وسلم باسمه، وإنما نودي بأجل ما يوصف به {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} ، نودي في مطالع السور بـ {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} ، في سورة الأحزاب، في سورة التحريم نودي باسمه صلى الله عليه وسلم في مطلع السورة، وفي سورة الطلاق نودي بوصفه الجليل الكريم -أي: النبي صلى الله عليه وسلم-.
نعود: هذه السورة تمثل خلق النبي صلى الله عليه وسلم؛ النبي المجاهد المقاتل هي خلق النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن، النبي صلى الله عليه وسلم الصابر هي من أخلاقه صلى الله عليه وسلم في القرآن؛ عندما تحدث القرآن عن الصابرين، تحدث عن المخبتين، تحدث عن القائمين، تحدث عن المجاهدين، تحدث عن الذين يبيعون أنفسهم لله {* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} ؛ هي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه.
فالصحابة رضي الله عنهم اقتبسوا هذا المعنى من شخصيته صلى الله عليه وسلم، فكان خلق الصحابة القرآن؛ ومن هنا تمثل شعارهم بقولهم"الصحابي القرآني".
ما نريد العودة إليه هو: كيف نصنع المسلم الصحابي، أي القرآني؟ ما هي المعادلة التي لو اجتمعت أطرافها وأفرادها كونت لنا المسلم الصحابي؟ القرآن هو القرآن .. مع أن تنزل القرآن في الابتداء له من المعاني العظيمة ما لا يمكن أن نعيشها بكليتها كما عاشها الصحابة؛ ولكن يمكن للمرء أن يحاول أن يصل إلى معانيها. وأمثل لكم أمثلة لتقريب هذا المعنى:
الصحابي لا يحتاج إلى كبير عناء لمعرفة المعنى الأول العظيم للآية التي نزلت عليه، وهو يعيش حدثها ويعيش معالجة القرآن لها؛ مثال ذلك: لما الصحابة رضي الله تعالى عنهم غزوا القسطنطينية -بعض الصحابة وأغلبهم من التابعين- وكان عليهم يزيد بن معاوية؛ فخرج رجل من بين الصفوف وانغمس في صفوف الروم، فقال الناس: ألقى هذا الرجل بنفسه إلى التهلكة!! كان معهم أبو أيوب الأنصاري، فنهاهم عن هذا التفسير وقال: هذه الآية {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} نزلت فينا معشر الأنصار؛ ذلك لما انتصر هذا الدين، قال الأنصار لأنفسهم: لنعد إلى مزارعنا، إلى أعمالنا، إلى أشغالنا، وقد نصر الله دينه، فنحيي ما تلف منها؛ فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فكانت التهلكة ترك الجهاد والإقبال على الدنيا.
هذا المعنى، يحتاج المرء من غير الصحابة إلى شيء من المعاناة، إلى شيء من الجهد، إلى شيء من التعلم الذي يقع من خلال واسطة بعيدة نوعًا ما مقارنة بما حصل للصحابة؛ الصحابة عاشوا حدث القرآن ..