وأنتم تعلمون -والكل يعلم- أن أعظم أنواع العلم هو الذي يحصل بدفع الثمن، أي بالممارسة والمجاهدة؛ فإذا عاش المرء العلم حدثًا يلامس جوانحه كلها، عاش مع ماله .. دفع ثمنًا ما من بدنه، قتل أخيه، قتل أبيه، قتل أمه، إنفاق المال، قطع رجله وبقي حيًا؛ فإنه يتعلم بالثمن، وهذا التعلم يبقى أثره الذي لا يمحوه الزمن، يبقى حاضرًا في ذهنه. بخلاف الكلمات، الكثير منا تعلم كلمات كثيرة نسيها وذهبت مع رياح الزمن وأدراجه.
فالصحابة إذًا كانوا يعايشون القرآن معايشة الملامس المباشر له؛ هذه قضية نحن إذا أردنا أن نعيش القرآن في المعاني التي جاء بها، فإننا نعيش بواسطة؛ أو نعيش في حالة ما مع وجود كمية العلم الكبيرة. وكما ذكر عن علي رضي الله تعالى عنه:"العلم نكتة صغيرة كثرها أهل الجهل"، -بغض النظر عن صواب نسبتها لعلي- ولكن فيها الكثير من الحق؛ لأنك في هذا الزمان إذا أردت أن تصل إلى الكثير من الحقائق، فإنك تمر بالكثير من أكوام الباطل للوصول إليها.
الصحابة لم يكن هذا موجودًا عندهم، لأنهم يأخذون مباشرةً من النبي صلى الله عليه وسلم، والوحي ينزل عليهم فيأخذونه مباشرة، فالحق عندهم جلي؛ نحن عندنا الحق فيه كثير من الدخن. وأنت تجد الناس يجتمع فيهم خير وشر، يجتمع فيهم حق وباطل؛ فهذه من الأمور القدرية التي فيها جوانب خير كثير، وكذلك فيها جوانب تأخر.
الله عز وجل اختار الصحابة رضي الله عنهم كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: نظر الله في قلوب الخلق، فاختار خير القلوب لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالصحابة هم أهدى الناس قلبًا، وأعلم الناس عقلًا، وأكثر الناس أخذًا للعلم من أجل العمل؛ يأخذون العلم من أجل العمل، بخلاف التزيد الذي حصل في القرون التي جاءت بعد الصحابة رضي الله عنهم، في ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلم العلم ليماريَ به العلماء أو يداري به السفهاء فقد برئت منه ذمة الله» أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
إذًا: نريد أن نبحث بعد هذا التطواف: ما هي المعادلة المقاربة -لأن إصابة الحالة الصحابية في كل جوانبها ممتنع، ولم يحصل بعد عصر الصحابة أن جاء جيل بكل ميزات وخصال الصحابة رضي الله عنهم؛ لكن نريد أن نعيش كأفراد أقل شيء، وليس في إحياء مجتمع ليكون مجتمعًا قرآنيًا على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم «كان خلقه القرآن» ، أي: ليصبح هذا المجتمع خلقه القرآن؛ فأقل شيء نبحث نحن عن المقاربة- ما هي المعادلة التي تكون المسلم الصحابي؟ المعادلة وجود قرآن ...