فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 137

ومن هنا أكرر إبطال الكلمة الشريرة التي يزعمها بعض مفكري الإسلام حين يقولون بأن القرآن كتاب عمومات!! القرآن {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} ؛ وتجد أن السمات القرآنية للبشر بالتفصيل في الكلمات التي يقولونها، بل {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا} يتحدث عن النظرة، كيف يتحرك المؤمن؟ كيف يتحرك الكافر؟ كيف يتحرك المنافق؟ كيف يتحرك المتردد؟ فتكشف السور القرآنية كشفًا تامًا. هذه قضية تتعلق بالحقيقة القرآنية، هذه الحقيقة يجب أن تُجلى، أن تظهر كما هي بينة؛ وهذا يقع -أولًا- عن طريق تجلية الخطاب تجلية صحيحة، لابد أن يصبح لدى المرء ذوق لغوي، ذوق بلاغي، ذوق يتعلق بأسلوب القرآن -أي يتذوق القرآن، ولا يمكن أن يتذوقه دون أن يعرف قواعده ومعانيه- وأضرب لكم مثالًا: لا يمكن لأحد لا يفهم قوانين لعبة ما أن يستلذ بها، لا يمكن؛ وقد جربت هذا في نفسي، وسألت أناسًا كثيرين عن ألعاب فهي لا تعجبهم ويحتقرونها، والسبب أنهم لا يعرفون قواعدها. وأنت حين تأتي إلى لوحة جميلة وتعرف قوانين الجمال في الرسم واللوحة، حينئذ تدرك المغازي والمعاني، أصاب أو أخطأ؟ هذا معنى قوي أو معنى ضعيف؟ وذاك من خلال القواعد؛ وهذا معنى لابد أن ننتبه له.

ومن المعاني التي ينبغي أن نهتم بها، هو أن نتعامل مع القرآن أنه خطاب لنا، أنه خطاب لنا بأن الله يتكلم به -هذه مائدة قرآنية عظيمة- فأنت حين تتعامل مع القرآن أن الله يكلمك، أن الله يتحدث معك .. ومن هنا يأتي الانفعال الذي نراه في قصص المتأثرين بالقرآن ..

لما يقسم الله سبحانه وتعالى قسمًا عظيمًا في القرآن، لما يقسم أن الرزق مقدر؛ فيأتي أعرابي يقول: من الذي أغضب الرب، ومن الذي رد على الله، ومن الذي كفر بكلمة الله، حتى أقسم هذا القسم؟! هو نظر إلى متكلم عظيم يقرر حقيقة، فيجب على الناس أن يسلموا، من الذي رد .. ؟! فالقسم لا يكون -كما يقول الجرجاني في دروسه البلاغية، يقول: إن الخطاب يترقى بحسب نفسية المخاطب؛ فمثلًا: الذي يقبل له خطاب من غير تكرار ومن غير تأكيد، لكن إذا كان هناك ثمة إنكار يأتي التأكيد، طيب إذا كان هناك إنكار شديد؟ يأتي القسم. ومن هنا كثر القسم في الآيات المكية، السور المكية يكثر فيها القسم لأنها حديث عن منكرين فيأتي التأكيد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت