صلى الله عليه وسلم. المربون بعده يأخذون من قبسه، ويأخذون من نوره .. وهذا شيء جزئي؛ أما النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بالنور التام، فالناس أخذوا منه بمقدار عطائه صلى الله عليه وسلم وبمقدار -كذلك- قوتهم. ولذلك قال الله عز وجل: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ؛ انظر إلى هذه التزكية!! هذه التربية عاشها الصحابة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .. التزكية هي تلك العملية التي تحقق بها ترميم النفوس ورفعة النفوس؛ ولذلك الله سبحانه وتعالى ميّز هذا المجتمع بوجود النبي صلى الله عليه وسلم، ميّزه بأنه عاش معهم وكانوا يرونه مثالًا.
القرآن كلمات الله عز وجل، فيها القوة، قذيفة؛ كلمات الله عز وجل قوية، روح {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} ؛ كل شيء له روح، وروح روح الخلق إنما هو القرآن، روح الروح في الإنسان إنما هو القرآن. من غير هذه الروح للروح التي تعيش في داخل الإنسان، تصبح هذه الروح ميتة، لا حراك فيها، لا حقيقة فيها، لا نور فيها، لا فاعلية فيها؛ ولذلك هذا القرآن روح ..
الله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن من أجل أن يُتلى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحقق لهم المثال من أجل أن يروا الصورة القرآنية تمشي أمامهم؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن» .
إذًا: كانت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم فاعلة ومؤثرة في هذا المجتمع، والله عز وجل جعل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أنه يزكيهم؛ والتزكية تقوم بعملين:
العمل الأول: إن وجد الانحراف، ردت هذا الانحراف إلى الصواب؛ وهذا شأن نبوي عظيم. كان النبي صلى الله عليه وسلم ينبههم إلى أخطائهم، ويرشدهم إلى ما في أنفسهم من أجل أن يصححوا ما فيها، كقوله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» ؛ قوله صلى الله عليه وسلم هذا يريد أن يعيده، يريد أن ينبهه إلى خطئه. «يا أبا ذر، إنك رجل ضعيف» ينبهه إلى مقدار قوته، يعينه على ما تصلح نفسه له، فيدرك الصحابي: هذا الباب لا يسلكه لأنه ضعيف فيه، وهذا باب يسلكه.
ولذلك كان ينبه -كذلك- إلى قواهم، إلى هذه القوى التي يعيشها الصحابة، ينبههم: أنت اسلك كذا، وأنت اعمل كذا .. وكان يضع الأمراء الشباب -كأسامة- على صحابة كبار، ويضع عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه على صحابة قد تقدموا؛ لينبه على قوى هؤلاء الأشخاص.