هذا القرآن -كما تحدثنا- يعطي عطاء، ولكن إذا أعطى عطاءه لقلب مُجَخٍّ كالكوز، فإنه لا تنزل فيه الهداية؛ وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم حضرها أكفر الخلق، شخصية النبي صلى الله عليه وسلم -هذا النور العظيم، الهادي، الحق المبين- هذه الشخصية حضرها أكفر الخلق وأعند الخلق وأكذب الخلق ولم تهتدِ.
الأنبياء بمقدار نورهم تكون ظلمة أعدائهم ..
موسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل، وجاء في مسند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرج به إلى السماء مر على موسى، فجعل موسى عليه السلام يقول: هذا بعث بعدي وعنده أمة أكثر من أمتي!! فسأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل: ما شأن موسى؟! قال: هذا نبي تعودنا منه ذلك. قال ابن تيمية معلقًا على هذه القصة قال: الله عز وجل يحب موسى ويعفو عنه، لما وقف في شجاعة أمام أعتى الخلق في زمانه وهو فرعون ..
مقدار قوة إيمان موسى بمقدار ظلمة فرعون؛ مقدار قوة النبي صلى الله عليه وسلم ونور النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار ظلمة أعدائه، بمقدار ظلمة أبي جهل وأبي لهب .. فهم أكفر الخلق، وفرعون هذه الأمة أشد من فرعون موسى.
فهذه الشخصية النبوية العظيمة لم تكن لتحدث آثارها في الوجود لولا وجود هذه القلوب الطيبة التي حوتها صدور الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فكانت إذا أطلقت الكلمات النورانية تتلقاها هذه القلوب فتغرس فيها غرسًا طيبًا ..
كما مدح الله عز وجل هؤلاء القوم بقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} ذكر مثلهم في التوراة مثال المتعبدين الذين يقومون الليل -العلماء قالوا: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} ذكروا أقوالًا متعددة، من أجل الأقوال أنه إذا أصبح الصباح رأى الناس في وجوه هؤلاء القوم سيما التعبد والسجود بين يدي الله عز وجل. وهناك أقوالًا أخرى- لأن اليهود قل فيهم التعبد، وكثر فيهم صلابة القلب؛ فذكر مثال الصحابة رضي الله عنهم في تعبدهم وإخباتهم وخوفهم وعملهم بالطاعات. ولما جاء إلى ذكر مثلهم في الإنجيل {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} ذكر أمر تحالفهم وأمر قوتهم، وكيف تنشأ هذه الزروع الطيبة فتقوى وتلتف حتى تصبح عصية وينصرها الله سبحانه وتعالى.