{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) } يمشي، ويتحدث، ويتكلم، ويبين عظائم الأمور: هذه كيف تؤدي إلى الجنة؟ وهذا كيف يؤدي إلى النار؟ وأن الصدق منجاة وأن الكذب مهلكة «وما يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» ، وكيف أن الغيبة تهلك صاحبها؛ كان يبين صلى الله عليه وسلم، ويبشر الطائعين .. {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54) } هذا أمر قرآني، إذا جاءك المؤمن كيف تتعامل معه؟ تتعامل معه بإعطائه البشارة على ما يقوم به من أعمال إيمانية؛ وتعطيه البشارة بالمغفرة إذا قام بالأعمال السيئة فتاب واستغفر؛ هذه مهمة {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} .
{شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) } تعرف ما معنى السراج؟! {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} لا يتحقق الحق إلا بهاتين الصفتين: طريق معبد موصل للهدف، سهل لا التواء فيه، لا ضلال فيه، كله حق؛ ولكن هذا لا يكفي، لو صنعت طريقًا معبدًا بينًا واضحًا سليمًا معافى ويوصل إلى المطلوب والهدف بأقصر الطرق، وهو الحق في ذاته، لا يكفي؛ لابد أن يكون هناك الأنوار المسلطة على هذا الطريق، من أجل أن تعينك على الوصول. لذا قال: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى} طريق موصل إلى الحق؛ وماذا؟ {وَنُورٌ} يكشف لك هذا الطريق ويبينه ويسهل ويبصر الناس إليه. لأنه قد تقع الظلمة على هذا الطريق الحق، الطريق الحق قد تقع عليه الظلمة مع أنه حق في ذاته، فلابد من النور؛ ولذلك الله عز وجل مدح دينه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} لماذا؟! {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِي} ؛ الدين إن لم يكن ظاهرًا على الأديان الأخرى بالقوة وظاهرًا بالعلم، فهو دين ضعيف لا يملك القوة في نفسه.
الله قال: {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) } شأن النبي صلى الله عليه وسلم هو النور؛ شأن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نور، فبوجوده تنكشف ملمات الطريق، الضلالات، أي ضلالة تظهر يردها النبي صلى الله عليه وسلم، أي حق خفي يبينه ويظهره للناس؛ أي كلمة يقولها الناس فيها حق يبين أنها حق ويفرح لها ويحبها صلى الله عليه وسلم، وأي كلمة باطلة يكشف ضلالها ويبين إلى أين تؤدي هذه الضلالة.
هذه المهمة العظيمة التي تكفل بها النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن لتؤتيَ ثمارها إلا بأرض صالحة لهذا العلم الذي يغرس فيها؛ ولذلك كانت قلوب الصحابة رضي الله عنهم.