جزئيًا -كبيرًا ولكن ليس تامًا- في تحقق قوله صلى الله عليه وسلم: «إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض» هي حروب المرتدين. في حروب المرتدين كانت المحنة عظيمة، وتشابه هذه القضية فيما لو انتصرت الردة لذهب الإسلام، ولكن ليست على المعنى الكلي الذي كان في بدر ..
فكانت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ترسي القواعد الأولى، وتجابه المهمات العظمى؛ وأما بعد النبي صلى الله عليه وسلم فالمهمات جزئية. الذي أرسى قواعد الإسلام -أنا لا أتكلم عن العلوم، هذه قضية مهمة؛ ولكن نتكلم عن وجود الإسلام، عن وجود الإسلام عمليًا، عن وجود الإسلام في أشخاصه، في أمته، في دولته، في إمامته- الذي أرساها هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكانت المهمة عظيمة في إنشاء القواعد .. وأما ما بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما هي متممات لهذه القواعد، ارتفاع جدران على هذه القواعد.
وبالتالي: كانت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة، ضرورة لتجابه المهمات العظمى التي يحتاجها ذلك الوقت؛ وأما بعد ذلك، فكل الحروب .. لو هزم المسلمون في معركة فهناك عمق جغرافي ..
في الوقت الذي سقطت فيه الأندلس -انظر! بلاد مسلمة عظيمة، وواسعة- الأندلس التي تسمى اليوم"إسبانيا"، هذه البلاد في الوقت الذي سقطت فيه فتح الله عز وجل للمسلمين الأناضول، دخل محمد الفاتح القسطنطينية. بمعنى: أنه يمكن أن تهزم الأمة في مكان وتنتصر في مكان آخر؛ وهذا لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
وبالتالي: لا تقل بأن عدم وجود النبي صلى الله عليه وسلم في الزمن المتأخر يمنع من قيامك بالمهمات العظمى؛ مهمات الأمة والعلماء والقادة بعد النبي صلى الله عليه وسلم جزئية.
فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم كانت مهماته كلية في بداية الأمر، فاحتاج الأمر إلى شخصه صلى الله عليه وسلم؛ وأما ما بعده فيمكن لعالم -في مسألة العلم- يمكن لعالم أن يغفل عن علم فيأتي عالمٌ آخر فينبه عليه، بخلاف شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، لو غاب العلم -وهذا غير متصور، ولا يجوز، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة- لو غاب هذا العلم عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم فلا تتعلمه الأمة كلها بعد ذلك، بخلاف العلماء الذين أخذوا من قبس النبي صلى الله عليه وسلم ومن نور النبي صلى الله عليه