والناس عليهم أن ينتبهوا إلى أن الطاعة تأتي بالطاعة، ومن دلالة قبول الطاعة أن يكرمك الله عز وجل لطاعة تالية لها، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } فبالهداية تزداد الهداية. واعلم أنك إذا حرمت بعدها طاعة، فإن هذا يدل على أنها لم تقبل ولم تقم بها على وجهها ولم تكن من أهل هذه الطاعة؛ لابد من دخولك في الطاعة دخولًا كليًا بأن تصبح سمة لك هذه الطاعة .. {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} هؤلاء لم يذكروا الله يومًا ويتركون ذلك أيامًا، هذه صفة التصقت بهم؛ قراءة القرآن صفة التصقت بهم .. سئلت عائشة عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان عمله ديمة وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟!.
ولذلك في هذه الأيام علينا أن نشد، علينا أن ندرك ما فاتنا في هذه الشهر؛ فلتت أيامه من بين أيدينا من تقصير وغفلة وضياع أوقات، وربما هناك الشيء العظيم الذي ينتظرك وقد فاتك، وبقيت هذه الأيام لتثبت خيرها ولتثبت فضلها ولتثبت قيامك على وجهها. فإذا تأخر الشرط لم يقع الوعد؛ الوعود الإلهية بمغفرة الذنوب وحصول الكرامة ودخول باب الريان، لا بد فيها من الإتيان بالشروط .. فهذه الأيام المباركة عليك أن تهتم لها، أن تكثر من ذكر الله.
ولذلك يشرع في هذه العشر الأواخر من رمضان الاعتكاف ..
النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كالريح المرسلة لا يبقي شيئًا؛ ولكن إذا دخلت العشر شد المئزر، وأيقظ أهله، وقام الليل كله، لأنها الأيام التي تعطى فيها الأجور. والمرء يعمل .. فإذا ترك آخر الوقت لم يحصل له الأجر؛ وضرب ذلك مثلًا النبي صلى الله عليه وسلم في عمل اليهود والنصارى، أنهم عملوا ولكن لم يعملوا إلى نهاية اليوم ففاتتهم الأجور!! ثم جاءت هذه الأمة في آخر هذه الأوقات من حياة البشرية، فأدركوا أجور الأوائل والأواخر. العمل في آخره به تحصل الأجور العظيمة ..
ولذلك لا بد من أن تهيئ نفسك بقيامك في هذا الشهر -في آخره- على خير ما يكون؛ لا تنشغل بدنياك، الناس ينشغلون في هذه الأيام بالتزيين، وينشغلون بشراء الأغراض، وينشغلون بالمتع، تحضيرًا منهم لأيام العيد أو ما شابه ذلك؛ ولكن المؤمن ينتظر إلى رحمة الله إلى"يوم الجائزة"، كما سماه بذلك بعض أهل العلم، هذه أيام الجائزة قادمة ..
ولذلك في هذه العشر الأواخر أنصح إخواني بالاعتكاف؛ وهنيئًا لمن كان معتكفه في الرباط في سبيل الله، هنيئا لمن كان معتكفه في طاعة الله عز وجل، قائمًا لله عز وجل يدافع عن أعراض المسلمين وينصر دين الله عز وجل. فمن فاته هذا المقام من الأربطة عليه أن