فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 131

وما حكَمَ ابنُ الجوزي بوضعه من ذلك لم يُصِب فيه , وقد رد عليه العلماء وناقشوه فيه , بل صححوا الحديث الأول , ومنهم من صحح الحديث الثاني , والثالث لا يبلغ الوضع بل هو معلول ضعيف.

وأما ما وجد في كتابه من إخراج حديث جماعة من المتروكين , فإنما ذلك لكونهم ليسوا كذلك عنده , وإنما وصفهم بذلك غيره , وهو ناقد له الاستقلال بالاختيار , فيكون هذا من اختلاف النقاد في الراوي , وقد يكون ذلك لكونه خفي عليه وجه الجرح للراوي.

والقول الفصل فيما سكت عنه أبو داود مما ليس في الصحيحين ولم يصرح بتصحيحه أو بتحسينه إمام معتبر أن ينظر في تلك الأحاديث ويحكم عليها بما تقتضيه القواعد الحديثية التي استقر عليها العمل , أوضح ذلك غير واحد من علماء الحديث الكبار وبينوه.

فمن ذلك قول الإمام النووي: في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها.

وقال - أي النووي: والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم يبينه ولم ينص على صحته أوحسنه أحد ممن يعتد به , أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له حكم بضعفه , ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود.

وقال بعد أن ذكر جماعة من الضعفاء أخرج لهم أبو داود ساكتًا عن أحاديثهم: فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الإحتجاج بهم , بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به أو هو غريب فيتوقف فيه , لا سيما إذا كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه فإنه ينحط إلى قبيل المنكر.

فعليه يظهر خطأ من أطلق على سنن أبي داود وصف الصحة , إلا أن يقصد بذلك التغليب فإن أكثر أحاديثه صحاح وحسان , وما دون ذلك قليل نادر.

ويعتبر سنن أبي داود من مظان الحديث الحسن.

مكانة السنن:

السنن لأبي داود من أجل مصنفات الإسلام الجامعة التي ليس للمكلف غنى عنها , بل هي من القواعد التي يقوم عليها الدين , وعليها يرتكز ركنه المتين , ذلك لما تضمن من تفصيل الأحكام وبيان حجج الحلال و الحرام , وقد اعتمده عامة علماء الإسلام وصدروا عنه , وعده أكثرهم في المرتبة الثانية بعد الصحيحين من جملة الأصول الستة , وعلى هذا استقر الحال عند المتأخرين على أن سنن أبي داود ثالث الكتب , وهو صدر السنن الأربعة وأولها , أثنى عليه العلماء وبينوا كبر منزلته وعظم منفعته.

قيل: إن أبا داود لما صنفه عرضه على الإمام أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه.

وقال الحافظ محمد ابن مخلد: لما صنف أبو داود كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه , وأقرّ له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه.

وقال الإمام أبوسعيد بن الأعرابي تلميذ أبي داود: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله وهذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شئ من العلم بتة.

قال الخطابي أيضًا: وهذا كما قال لا شك فيه ثم أوضح ذلك فقال: حَلَّ هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب , فضربت إليه أكباد الإبل , ودامت إليه الرحل.

وقال: كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله , وقد رزق القبول من الناس كافة , فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم , فلكلٍ فيه وِرْد ومنه منهل , وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت