فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 131

شرط السنن:

الإمام النسائي مقدم في علوم الحديث، وهو فيها ناقد بصير، عالم خبير، إليه المنتهى في عصره في معرفة الرجال وعلل الحديث، كان شديد التحري قوي النقد، متثبتا، يدع حديث الراوي لأدنى مغمز يظهر له، ويتكلم في الراوي كلام العارف بخفايا هذا العلم المدرك لأبعاده، فهو للرجال شديد الانتقاء حتى قال أبو علي النيسابوري الحافظ: النسائي شرطه في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج، بل قال الحافظ العلَم سعد بن علي الزنجاني: إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من البخاري ومسلم.

قال الذهبي: صدق، فإنه ليّنَ جماعةً من رجال صحيحي البخاري ومسلم. ويؤيد هذا ما حكاه أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: (من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمه _ يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة _ قال: فما حدث بها.

وربما دعاه تحريه في الرجال إلى النزول بأسانيد علا فيها من طريق من ليس على شرطه، فلم يرتض أن يرويها من الطريق العالي لنزوله عن شرطه وخرجها بالإسناد النازل لوروده من طريق الثقات، وفي ذلك يقول: (لما عزمت على جمع كتاب السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم) .

فإن احتاج إلى تخريج رواية فيها من ليس على شرطه ذكر روايته وبيّن علّتها، ولا يسكت عن مجروح، وإنما يحتاج إلى ذكر رواية هذا الصنف أحيانا لبيان مخالفة وقعت في إسناد خالف فيها ضعيفٌ ثقةً، فيذكر ذلك جميعا مع ذكر الجرح ليثبت بذلك صحة رواية الثقة ورجحانها، وأن مخالفة الضعيف ليست بقادحة، وربما ذكر ذلك في المتابعات، ومن المعلوم وقوع التساهل فيها في أحاديث من فيه ضعف محتمل ليس بشديد، فيصلح حديثه للاعتبار.

ولقوة شرطه في الرجال قلّ في حديثه بل ندر جدا وجودُ ما يرِد عليه مأخذ، ولذا قال أبو الحسن المعامزي: (إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره) .

والنسائي قد حقق شرطه المذكور في كتابه (السنن الكبرى) والمجتبى منه، لكنه في الثاني أكثر تنقية وأقوى نظرا، وأجود اختيارا.

لم ينص صراحة على شرطه، لكن العلماء استنبطوها من كتابه ومن هذه الشروط:

1 -أن يكون الحديث مخرجا في الصحيحين أو في أحدهما أو كان على شرطهما فإن كان من غير ذلك لا يقطع بصحته ويبين ما فيه.

2 -كان يتشدد فيمن يخرج له من الرجال.

3 -إذا أخرج لأحد الرواة المشهورين ممن تكلم فيه فإنه يقرن حديثه بغيره أو يروي حديثه على سبيل المتابعات والشواهد مع بيان ما فيها مثال ذلك ما رواه من عبد الله لهيعة فقد قرن بعض أحاديثه بحيوة بن شريح ويحي بن أيوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت