كان الصحابة والتابعون يرحلون من بلد إلى بلد لسماع ما ليس عندهم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولهذا تجد في تراجم الرواة: فلان عن فلان المكي ثم المدني ثم الكوفي ثم المصري , إشارة إلى أن هذا الراوي كان رحالة في طلب العلم , فنزل هذه البلاد واستوطنها مدة وسمع من علمائها.
أثر الرحلة في تمحيص الأحاديث
كان من نزل به أمر ممن بعدت بهم الديار عن المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب إلى المدينة، ويسأل الرسول صلى الله عليه وسلم فيقف على حكم الله تعإلى، ثم يعود إلى بلده , وقد استمر هذا الحرص في طلب الحديث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يرحل من المدينة إلى مصر ليلقى عقبة بن عامر ليسمع منه حديثا كان عقبة قد سمعه مع أبى أيوب من رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأراد أبو أيوب أن يضبط ما سمع ويتثبت من صاحبه فسافر إليه تلك الرحلة الشاقة , ثم عاد فورًا حيث لم يعد له حاجة في مصر بعد ذلك , ومثله جابر بن عبد الله رضي الله عنه يشتري رحلة ويسافر من المدينة إلى مصر ليسمع حديثًا ويعود , ورحل شهرًا إلى الشام ليسمع من عبد الله بن أنيس حديثًا في المظالم , وهذا سعيد بن المسيب من كبار التابعين يقول , إنى كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد , ويقول بُسر بن عبد الله الحضرمي: إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في طلب الحديث الواحد لأسمعه.
وروى البخاري في كتاب العلم من صحيحه عن صالح بن صالح الهمداني قال: حدثنا الشعبي قال حدثني أبو بردة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أيما رجل كانت عنده وليدة فعلّمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران وأيما مملوك أدى حق ربه فله أجران". قال الشعبي: خذها بغير شيء قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة.
وهكذا نجد أن رحلات الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدّثين في الأمصار كان لها أثر عظيم على شيوخ رواية الحديث وتعدد طرقه في عصور التدوين , حتى لقد كان الرجل ممن له اشتغال بالرواية إذا لم يرحل في طلبها انتقص بذلك , ولهذا أصبحت الرحلة في طلب العلم سمة علماء الحديث في مصر من الأمصار , ولم يعد العلماء يقتصرون على روايات من نزل في بلدانهم من الرواة بل رحلوا فسمعوا من أعداد كبيرة في أمصار بعيدة ,