ثم عادوا إلى بلدانهم ليبلغوا ما سمعوه من الحديث مما لم يسمعه أهل بلدهم , فتعددت طرق الحديث الواحد فساعدهم ذلك على إحكام الأحكام والقضايا والمسائل وتحريرها , فكانت الرحلة في طلب الحديث من أنفع الأعمال وأجلها في خدمة العلم وصيانة الشريعة.
ثالثًا: ظهور الكذب في الحديث ومناهضة العلماء للكذّابين
انتشر الحديث النبوي في سائر أمصار المسلمين , وتلقاه المسلمون بشغف وتعظيم , بيد أن أعداء الإسلام ممن دخلوا فيه لقصد الكيد له وجدوا في سعة الانتشار للحديث فرصة للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وبث سمومهم في أرجاء الدولة الإسلامية المترامية الأطراف , ومن هؤلاء على سبيل المثال جابر الجعفي الكوفي الرافضي المتوفي سنة 127 هـ يقول: عندي خمسون ألف حديث ما حُدثتُ منها بشيء. ويقول سفيان: سمعت جابرًا الجعفي يحدث بنحو ثلاثين ألف حديث ما أستحل أن أذكر منها شيئًا وإن كان لي كذا وكذا.
لكن الصحابة والتابعين ضيقوا على هؤلاء الكذّابين المسالك وكشفوا كذبهم , ونخلوا رواياتهم نخلًا, فهذا الشعبي رحمه الله يقول: حدثني الحارث الأعور وكان كذابًا. وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يؤتى بقضاء علىّ رضي الله عنه في خريطة , فيمحوه ولا يترك منه إلا قليلًا , ويبين أن الشيعة أفسدوا بكذبهم عليه كثيرًا من علمه , قاتلهم الله أنى يُؤفكون.
وذكر مسلم في مقدمة صحيحه أن ابن عباس كان يتفحص ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقيل له فقال: إنا كنا إذا سمعنا رجلًا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا , فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.
وكان الوضّاعون للحديث شرًا هائلًا أصاب الأمة الإسلامية , لكن الله تعإلى قيض- برحمته - عبادًا من أهل العلم يفضحون الوضّاعين للحديث , ويكشفون أستارهم ويذبون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل دخيل مكذوب , وهاك طائفةً من أحوال الوضّاعين للحديث , فقد تكلم عنهم القرطبي في تفسيره (1/ 79) فقال: .. ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه قال شيخ من شيوخ الخوراج بعد أن تاب إن هذه الأحاديث دين فانظروا ممن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا، ومنهم