وقد عني به أشد العناية، واجتهد في انتخابه على أكمل الوجود حيث قال:"ما وضعت في هذا المسند شيئا إلا بحجة، ولا أسقطت شيئا منه إلا بحجة"وقال:"عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة، فكل ما أشار عليّ في هذا الكتاب أن له علة وسببا تركته، وكل ما قال إنه صحيح ليس له علة فهو الذي أخرجت، ولو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند".
وصنف مسلم (صحيحه) في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق، ومن ذلك:
1 -احتياطه في صيغ الأداء وإيرادها على وجهها، فقد كان مذهبه التفريق بين (حدثنا) و (أخبرنا) فحدثنا عنده لا يجوز إطلاقها إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، وأخبرنا لما قرئ على الشيخ، وهذا مذهب أكثر أصحاب الحديث الذي صار من بعد هو الشائع الغالب.
2 -اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة كقوله:"حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان"وإذا كان بينهما اختلاف في حرف بينه.
3 -تمييزه ما يدرجه في الإسناد لتوضيح راو مهمل أو نحو ذلك بذكره بصيغة واضحة في الإدراج، فيقول مثلا:"حدثنا عبد الله ابن مسلمة حدثنا سليمان- يعني ابن بلال - عن يحيى وهو ابن سعيد"فالكلام المعترض له بصيغة بينة.
احتياطه في تلخيص الطرق وتحول الأسانيد بعبارة موجزة حسنة.
حسن ترتيبه الأحاديث على صورة تدل على تحقيقه ومعرفته بدقائق العلم وخفيات علم الأسانيد ومراتب الرواة.
لا يشتمل صحيح مسلم بعد مقدمته إلا على الحديث الصحيح المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أبواب مفصلة الطرق والأسانيد، ولا يكاد يوجد فيه غير المرفوع كالموقوف والمقطوع الصرف، إنما فيه موقوفات