فهرس الكتاب
أن الثالثة مذكورة في نسق الخطاب، في قوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فإذا كانت الثالثة مذكورة في صدر هذا الخطاب، مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج: وجب حمل قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) على فائدة مجدّدة، وهي وقوع البينونة بالاثنتين بعد انقضاء العدة ... وأيضًا: لو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا) عقيب ذلك: هي الرابعة، لأن الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقًا مستقبلًا بعد ما تقدم ذكره. فثبت بذلك أن قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) : هو تركها حتى تنقضي عدتها"."
31 -فإذا قد بطل هذا الخبر من جهة الإسناد ومن جهة المعنى، تعين أن معنى الآية: أن المطلق لا يزال في فسحة من أمره، وهو بالخيار بين الإمساك والتسريح في الطلقة الأولى. ثم في الطلقة الثانية. فإذا بتَّ الطلاق بالثالثة فقد نُزع الأمر من يده، بعد أن جرب الزوجان اشتراكهما في الحياة ثلاث مرار ففشلت تجربتهما، وبطل الخيار، وصارا إلى حكم باتّ قاطع: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ، وهذا المعنى هو الموافق لنظم القرآن، والمناسب لأعلى درجات البلاغة.
32 -فكان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعملون بما أمر الله في كتابه، فيطلقون طلقة واحدة يستقبلون بها عدة النساء، ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبره عمر أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، كما رواه مسلم في صحيحه (ج 1 ص 422) وغضب أيضًا إذ بلغه أن رجلا طلق امرأته ثلاث تطليقات: كما روى النسائي في سننه (ج 2 ص 95) بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد قال:"أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا. فقام غضبان ثم قال:"أيُلْعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهركم! حتى قام رجل وقال: يا رسول الله .. ألا أقْتُلُه؟" [1] وأغلبُ ظني أن هذا الرجل هو رُكانة بن عبد يزيد."
(1) نقل الشوكاني (ج 7 ص 11 - 12) عن ابن كثير أنه قال"إسناده جيد"وقال ابن حجر في بلوغ المرام (رقم 1105 ص 224) "رواته موثقون". وقال في فتح الباري (ج 9 ص 315) :"رجاله ثقات، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث، ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع، وقد قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير -يعني ابن الأشج- عن أبيه اهـ. ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث، وقد قيل: إنه لم يسمع من أبيه". وقال ابن حزم في المحلى (ج 10 ص 168) :"وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل، ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا". ولابن حزم كلمة أخرى في محمود بن لبيد ذكرها في كتاب الصلاة من المحلى (ج 3 ص 188) فزعم أن محمودًا بن لبيد هو محمود بن الربيع بن لبيد! وهو وهم، بل هما اثنان، أحدهما: محمود بن الربيع بن سراقة، والآخر: محمود بن لبيد بن رافع، وانظر ما كتبناه على المحلى هناك. وأما الكلام في سماع مخرمة من أبيه. فالحق أنه سمع منه، كما ثبت ذلك عن معن بن عيسى وعن مالك، وقد سأله مالك فحلف له أنه سمع من أبيه، ومخرمة ثقة، ولو كان لم يسمع منه فلا يضعف ذلك روايته، لأنه كان عنده كتاب أبيه، وهذه وحادة هي عندنا تشبه السماع أو تكون أقوى منه وقد أخرج مسلم بعض روايته عن أبيه، وهذا أمارة صحتها، وأما محمود بن لبيد فإنه صحابي صغير، وغاية ما في الأمر أن يكون حديثه، إذا كان لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم-: من مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة، كما أوضحت ذلك في شرحي على ألفية السيوطي في المصطلح (ص 27) . وأما قول الحافظ ابن حجر: إن أحاديثه في المسند ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع-: فإنه ذهول منه أو نسيان! ففي مسند أحمد (ج 5 ص 427) بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد قال:"أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلم منا قال: اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسبحة بعد المغرب"وهذا صريح في السماع، ومن العجب أن الحافظ ابن حجر نقل هذا الحديث نفسه محتجًا به على سماع محمود بن لبيد في ترجمته من الإصابة (ج 6 ص 67) والله أعلم.