فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 112

واحدة منهما لهن بمعروف أو تسريح بإحسان. وهذا مذهب مما يحتمله ظاهر التنزيل، لولا الخبر الذي ذكرته عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه إسماعيل بن سُميع عن أبي رزين، فإن اتباع الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره. وخبر أبي رزين نصه، كما رواه الطبري وغيره:"أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل. فقال: يا رسول الله، أرأيت قوله: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فأين الثالثة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان: هي الثالثة"."

29 -ونعم: إن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بنا من غيره، وعلى العين والرأس ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام إذا كان صحيحًا ثابتًا، ولكن خبر أبي رزين هذا غير صحيح، فإنه مرسل غير موصول لأن أبا رزين الأسديّ تابعي، وليس صحابيًا. والمرسل لا حجة فيه، لأنه عن راو مجهول. ثم إنه خبر باطل المعنى جدا، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفسر الطلقة الثالثة بهذا، وهي ثابتة في الآية التي بعدها في سياق الكلام: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) وإلا كانت هذه طلقة رابعة. وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة.

30 -ثم بعد كتابة ما تقدم وجدت حجة الإسلام أبا بكر الجصاص ذهب في تفسير الآية إلى الصواب، وأبان عنه أحسن بيان، فقال (ج 1 ص 389 - 390) : أما قوله: أو تسريح بإحسان، فقد قيل فيه وجهان أحدهما: أن المراد به الثالثة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث غير ثابت من طريق النقل، ويرده الظاهر أيضًا -ثم ذكر حديث أبي رزين، وقال: - وقد روى عن جماعة من السلف: منهم السدي والضحاك: أنه تركها حتى تنقضي عدتها. وهذا التأويل أصح. إذ لم يكن الخبر المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ثابتًا. وذلك من وجوه، أحدها: أن سائر المواضع ذكر الله فيها عقيب الطلاق الإمساك والفراق فإنما أراد به ترك الرجعة. منه قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) والمراد بالتسريح ترك الرجعة، إذ معلوم أنه لم يرد فأمسكوهن بمعروف أو طلقوهن واحدة أخرى. ومنه قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ولم يرد به إيقاعًا مستقبلا، وإنما أراد به تركها حتى تنقضي عدتها. والجهة الأخرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت