فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 112

43 -وهذا الذي قلنا كله بديهي لا يعارض فيه أحد فكر ودقق وتحقق من المعنى ثم أنصف.

44 -ونظائر ذلك في الشريعة كثير. فإن الملاعن أمر بأن يقول أربع مرات: (أشهد بالله إني لمن الصادقين) فلا بد لطاعة الأمر من أن يقول هذه الجملة مرارًا أربعة مكررة في اللفظ. أما إذا قال: (أشهد بالله أربع مرات إني لمن الصادقين) لكان قوله معدودًا مرة واحدة، وبقى عليه ثلاث. لا أقول إن هذا إجماع -وهو إجماع فعلا- ولكن أقول: إنه بالبداهة التي لا يقبل في العقل غيرها، ولا يتصور أحد سواها.

45 -قال ابن القيم في إعلام الموقعين (ج 3 ص 27) بعد أن ذكر أن الله تعالى جعل الطلاق مرة بعد مرة:"وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع مراته جملة واحدة، كاللعان، فإنه لو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين؛ كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يمينًا أن هذا قاتله؛ كان ذلك يمينًا واحدة. ولو قال المقِرُّ بالزنا: أنا أقر أربع مرات أني زنيت؛ كان مرة واحدة، فن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارًا واحدًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطّت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر". فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة. وكذلك قوله:"من سبح الله دُبُر كل صلاة ثلاثاُ وثلاثين، وحمِده ثلاثًا وثلاثين، وكبّره ثلاثًا وثلاثين". الحديث: لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة، لا يجمع الكل بلفظ واحد. وكذلك قوله:"من قال في يومه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة؛ كانت له حِرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي". لا يحصل هذا إلا مرة بعد مرة. وهكذا قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وهكذا قوله: في الحديث:"الاستئذان ثلاث مرات فإن أُُذِِن لك وإلا فارجع"لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا: كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة."

46 -وقد كرر ابن القيم هذا المعنى في كتبه الأخرى، ولكنه جعل أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد (أنت طالق ثلاثا) : لا يقع به إلا واحدة-: قياسًا على المُثل التي ذكرها، كما صرح بذلك في زاد المعاد (ج 4 ص 55)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت