فهرس الكتاب
(ثلاثا) وصف باطل غير صحيح، وهو لغو من القول، إذ أن قوله (ثلاثا) -مثلا-صفة لمفعول مطلق محذوف، هو مصدر الفعل، وهو (طلاقًا) [1] . وهذا المصدر هو الذي تحققت به الحقيقة المعنوية عند النطق بقوله: (أنت طالق) ، وتحققها بهذا المصدر إنما يكون مرة واحدة ضرورة ولا تتحقق مرة أخرى إلا بنطق آخر مثل سابقه، أي يقصد به الإنشاء والإيجاد [2] وأما وصف المصدر بأنه مرتان أو ثلاث فإنه لا تتحقق به حقيقة جديدة. لأن الإنشاء إنما يكون في الحال، أعني حال النطق، ولا يكون ماضيًا ولا مستقبلا، والتكرار يستدعي زمنًا آخر للثاني ثم الثالث، فلا يكون زمنها كلها حالا، إذ أنه محال عقلا.
42 -وهكذا الشأن في نظائره، فلا يسوغ لك أن تقول: (بعت ثلاثا) على معنى القصد إلى إيجاد عقد البيع وإنشائه، وكذلك في الجمل الإنشائية الصرفة، لا يسوغ أن تقول: (سبحان الله ثلاثا) أعني هذه الجملة كما هي، لأنك تقصد بها إلى تسبيح الله تعالى، فاللفظ بها تنزيه وتسبيح مرة واحدة، فصار قولك: (ثلاثا) لغوًا لا يتسق مع صواب القول في الوجه العربي. وأما قول القائل: (اضرب ثلاثا) فإنه نوع آخر، وذلك أنه إنشاء للأمر -بالضرب- مرة واحدة أيضًا، وهو المعنى الوضعي لفعل الأمر، وكلمة (ثلاثا) وصف أيضًا للمصدر المضمر في الفعل، أعني (ضربًا) ، وهو الذي قد يحصل في المستقبل طاعة لمدلول صيغة الإنشاء، وقد لا يحصل عند العصيان، وليس هو -أي المصدر- مدلول الصيغة؛ لأنه قد لا يحصل إذا خالف المأمور الأمر فلم يفعل ما أمره به، مع أن مدلول الصيغة قد تم وتحقق، وهو حصول الأمر من الأمر بخلاف أنواع الإنشاء -اللفظي أو المعنوي- التي يكون مدلولها حقيقة لا تتحقق ولا توجد إلا بنفس النطق بها وحده، فلا يمكن تكرار المدلول إلا بتكرار اللفظ الدال عليه.
(1) هذا هو الصحيح على التحقيق، وإن كان علماء النحو يتساهلون في التعبير ويسمون العدد نفسه مفعولا مطلقًا.
(2) ولذلك قالوا: (لو قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق-: فإن نوى إنشاء الطلاق بكل واحدة كان ثلاث طلقات -عندهم- وإن نوى التأكيد بالجملتين الأخريين وقع واحدة فقط) . وانظر ما يأتى في فقرة رقم (94) .