فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 112

40 -ووجه الخطأ في ذلك: أن العقود، كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإقالة والطلاق-: حقائق معنوية، لا وجود لها في الخارج إلا بإيجادها بالدلالة عليها بالألفاظ التي وضعت لها، في العرف اللغوي في الجاهلية، ثم العرف الشرعي في الإسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقلت وطلقت، فهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، لا قبله. سواء أقلنا: إنها إخبار لفظًا ومعنى، وإنها دلت على المعنى بالاقتضاء، بأن يكون حكاية عن تحصيل البيع أو نحوه، وهو متوقف على حصول المعنى الموجب، فهو لازم متقدم. كما ذهب إليه الحنفية وغيرهم، أم قلنا: إنها إخبار لفظًا إنشاء معنى، كما هو مذهب الشافعية [1] : فإن الخلاف في هذا يكاد يكون شكليًا، وإنما المفهوم الواقع على القولين أن هذه الحقائق -من عقود وفسوخ- لا تتحقق ماهيتها المعنوية ولا توجد آثارها في الخارج إلا عند النطق بالألفاظ الدالة عليها، وأنا هي التي تنشئها وتوجدها، ثم تدل على وجودها ولذلك لو قيلت على سبيل الإخبار المحض عن الماضي لم تدل على الإنشاء والإيجاد، وكان الإخبار إما صدقًا وإما كذبًا فقط. ولذلك قالوا:"لو قال الرجل لمطلقته الرجعية في العدة: طلقتك، سُئل عن نيته؟ فإن نوى الإنشاء يقع الطلاق الآخر. وإن نوى الإخبار لا يقع" [2] .

41 -فقول القائل:"أنت طالق"يوجد به حين القول حقيقة معنوية واقعية: هي الطلاق، أو هي فسخ وإنهاء لعقد الزواج الذي بينهما بصفة خاصة لها أحكام معينة، ووصفه بعد ذلك هذا الفعل بالعدد (مرتين) أو

(1) انظر شرح مسلم الثبوت (ج 2 ص 103 - 107) . وهذا التعبير المبهم المغلق تعبيره! وترجمته إلى اللغة العربية: أنك إذا أردت البيع -مثلا- وعقدت العزم عليه، وشرعت في تنفيذ عزمك-: وجد في نفسك معنى خاص، وهو الحقيقة المعنوية التي عزمت على إيجادها. فهذه الحقيقة توجد في النفس عند النطق باللفظ الدال عليها، فإذا قلت:"بعت"وجدت هذه الحقيقة في نفسك، ودل اللفظ على أنك أوجدتها حين النطق فهي المعنى الموجب لهذا اللفظ، وهي لازمة له، ووجودها في النفس متقدم على النطق به تقدم الملزوم على اللازم، وهو تقدم اعتباري، وإن كان مقترنًا به في الوقت فاللفظ إذن إخبار لفظًا ومعنى عن: هذا المعنى الذي في النفس! ومعنى هذا الكلام ونتيجته أنه فلسفة في اللف والدوران، وآخره أنه إخبار لفظًا إنشاء معنى!!.

(2) شرح مسلم الثبوت أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت