فهرس الكتاب
بعد دراسة التعريفات السابقة للفقهاء يظهر أن التعريف المناسب هو تعريف المالكية القائل بأن المحارب هو من أخاف الطريق؛ لأجل أن يمنع الناس من سلوكها والانتفاع بالمرور فيها، وإن لم يقصد أخذ مال السالكين؛ بل قصد مجرد منع الانتفاع بالمرور فيها، وذلك للأسباب الثلاثة التالية:
1 -أن المحاربين وقطاع الطرق قد يكون ذلك في داخل المدينة، فبقوة السلاح يمنع المرور ولانتفاع ولم يقصد بذلك المال.
2 -أن الغوث داخل البلد أصبح متعذرًا في غياب الأمن؛ بل إن الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية في هذا الزمان تكون في داخل المدن ولا يقصد بها المال.
3 -أنه تعريف عام يشمل المحاربين وقطاع الطرق لأجل المال أو لغرض آخر.
ثالثًا: أحكام المحاربين (أو قطاع الطريق) :
أ- الأصل في حكمهم
قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [1] .
وقد اختلف الفقهاء في المراد بالمحاربين في هذه الأية على قولين، هما:
القول الأول: ذهب ابن عمر والحسن وعطاء: إلى أن المراد بالمحاربين الكفار.
القول الثاني: جمهور الفقهاء (أصحاب الرأي والمالكية والشافعية) على أن المراد به قطاع الطريق من المسلمين [2] .
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن المراد بالمحاربين هم الكفار بما يلي:
أ- فقد روى أن هذه الأية نزلت في قوم من المشركين كان بينهم وبين النبي ميثاق فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض [3] .
ب- ما روى أن الآية نزلت في المرتدين وهم العرينين الذين أسلموا ثم ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة فاستاقوا إبل الصدقة فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة حتى ماتوا، فأنزل الله تعالى في ذلك {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [4] .
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن المراد بالمحاربين هم قطاع الطرق من المسلمين؛ بما يلي:
(1) 1 - سورة المائدة: الأية 33.
(2) 2 - السيوطي: لباب النقول في أسباب النزول، ص 108.
(3) 3 - ابن الكثير: تفسير القرآن الكريم، 3/ 57.
(4) 4 - الكاساني: بدائع الصنائع، 7/ 136؛ والدسوقي: حاشية، 6/ 360؛ والشربيني: مغني المحتاج، 2/ 435.