فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 243

لا بد للإجماع من مستند شرعي، لأن القول في الدين يغير علم وبغير دليل قول بالهوى، وخطأ قطعًا، وهذا لا يجوز ولا يقع، لأن الامة معصومة من الخطأ بدلالة الأحاديث التي ذكرناها. وسند الإجماع قد يكون من الكتاب أو من السنة،

فالإجماع على حرمة نكاح الجدات وبنات الأولاد مها نزلت درجتهن، سنده قوله

تعالى: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ) ) [النساء: 23] ، إذ الإجماع منعقد على أن المراد بالأمهات في الآية الكريمة: الأصول من النساء، فتشمل الجدات وإن نزلن، وأن المراد من البنات: الفروع من النساء، فتشمل البنات الصلبيات وبنات الولد وإن نزلن.

ومن الإجماع المبني على السنة: إجماعهم على إعطاء الجدة السدس في الميراث، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس.

وقد اختلف الأصوليون في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد أو قياس، فجوزه الأكثرون، ومنعه غيرهم: كداود الظاهري، وابن جرير الطبري. وما ذهب إليه الأكثرون هو ما نميل إليه، فقد انعقدت إجماعات في زمن الصحابة وكان مستندها اجتهادًا أو قياسًا فقد أجمعوا على جمع القرآن، وكان سندهم: المصلحة، وهي ضرب من ضروب الاجتهاد، ووافقوا عثمان بن عفان في إحداثه النداء الثالث لصلاة الجمعة، وكان سندهم: مصلحة إعلام الناس بالصلاة، لا سيما البعيدين

منهم عن المسجد، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسًا على تحريم لحمه (1) .

177 -إمكان انعقاد الإجماع والخلاف فيه:

قال جمهور العلماء بإمكان إنعقاد الإجماع، وبوقوعه فعلًا. وقال بعضهم: بعدم إمكان إنعقاده، وبعدم وقوعه أصلًا، ومن هؤلاء: النظام من المعترلة.

احتح المانعون من إمكان انعقاده: بأن معرفة المجتهدين بأعيانهم متعذرة أو مستحيلة، إذ لا ضابط لتمييز المجتهد من غير المجتهد، وحتى إذا عرف شخص بالاجتهاد في بلده فقد ينازعه الآخرون من أهل بلده، أو غيرهم، في أهليته للاجتهاد، وحتى إذا عرفوا دون منازعة لهم في أهليتهم للاجتهاد، فمن العسير جدًا جمعهم، وعرض المسألة عليهم، لتفرقهم في البلاد والأمصار، وحتى إذا أريد عرض المسألة عليهم وهم في أماكنهم، فمن الصعب جدًا إِبْلاغها لكل واحد ومعرفة

1 - (( الآمدي ) )ج 1 ص 320.

رأيه على وجه موثوق، والتيقن من بقائه على رأيه الى وقت أخذ جميع الآراء. ويضاف إلى ذلك كله: أن الإجماع لا بد له من سند، فإن كان قطعيًا: فالناس يعرفونه ولا يغفلون عنه في العادة، لأن من شأن القطعي أن يعرف ويشاع فلا حاجة للإجماع، وإن كان الدليل ظنيًا: فيستحيل في العادة الاتفاق عليه، لاختلاف المجتهدين في أفكارهم وقرائحهم في الاستنباط.

واحتج الجمهور: بأن ما قاله المانعون مجرد تشكيك بأمر ممكن الوقوع، فلا يلتفت إليه. ودليل إمكان وقوعه: أنه وقع فعلًا، وقع في عصر الصحابة ونقلت لنا عنهم إجماعات كثيرة: كإجماعهم عل أن للجدة السدس في الميراث، وإجماعهم على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم، وإجماعهم على صحة النكاح من غيرمهرمسمى، وإجماعهم على عدم قسمة الأراضي المفتوحة على الفاتحين، وإجماعهم على أن الأخوة والأخوات لأب يقومون مقام الأشقاء عند عدمهم، وإجماعهم على أن

الابن الصلبي يحجب ابن الابن، إلى غير ذلك من الإجماعات الكثيرة؛ فانعقاد الإجماع فيما مضى دليل قاطع على إمكان وقوعه، فكيف يُقال: إنه لم يقع ولن يقع؟

178 -وجوب التفصيل في هذا الخلاف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت