فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 243

والذي نراه في هذا الخلاف، وجوب التفصيل، فلا نأخذ قول الجمهور يبإطلاق، ولا نرفض قول المانعين بإطلاق، والتفصيل الذى نراه يستلزم مناقشة ما قاله المانعون، فنقول:

أولًا: ما احتج به المانعون من أن مستند الإجماع إن كان قطعيًا فهو لا يغيب عن الناس، فلاحاجة إذن إلى الإجماع، وإن كان السند ظنيًا أحالت العادة اتفاقهم، فلا ينعقد الإجماع، هذا القول بشقيه لا ينهض حجة لما قالوا، فالإجماع بمقتضى دليل قطعي يزيده قوة، ويغني عن البحث عن دليله. وإن كان مستند الإجماع ظنيًا كخبر آحاد، فالعادة لا تحيل إمكان الإجماع عليه إذا كان واضح الدلالة بيَّن الممعنى، وفي هذه الحالة يرتفع الدليل الظني بالإجماع

إلى مرتبة قطعية

ثانيًا: أما ما احتجوا به من عدم إمكان معرفة المجتهدين بأشخاصهم لتفرقهم في الأمصار .. الخ، فهذا القول جدير بالتأمل والمناقشة، والحق في هذا أن يقال: إن عصور السلف تنقسم إلى عصرين متميزين: الاول: عصر الصحابة، والثاني: عصرمابعدهم.

ففي عصرالصحاية، لاسيمافي زمن أبي بكر وعمر، كان المجتهدون قلة، ومعروفين بأعيانهم، وموجودين كلهم تقريبًا في المدينة، أو في مكان يسهل الوصول إليهم ومعرفة آرائهم، وكان الاجتهاد يأخذ شكل الشورى، ففي هذا العصر، والحال كما وصفنا، يسهل جدًا انعقاد الإجماع، وقد وقع فعلًا، ونقلت الينا إجماعات كثيرة عنهم، منها ما احتج به الجمهور وذكرناها قبل قليل.

نعم، قد يقال: أن هذه الإجماعات ما كانت كلها صريحة وهذا حق نسلم به ولا ننكره، ولكن أى شيء فيه؟ فالأجماع السكوتي كالإجماع الصريح عند فريق من العلماء كما قلنا، وإذا قيل: أن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند البعض، فلا يكون إذن إجماع الصحابة السكوتي دليلًا على وقوع الإجماع، ولا حجة على الآخرين، فاننا نقول: إن لإجماع الصحابة السكوتي ينبغي أن ينزل منزلة الصريح لعدة اعتبارات، منها: قلتهم ومعرفة أشخاصهم كما قلنا، ولما عرف من سيرتهم ومبادرتهم إلى قول الحق الذي يرونه دون خشية من أحد ولا مهابة لأحد، حرصًا منهم على الوفاء بما أخذه الله من عهد على العلماء من لزوم بيان الحق وعدم كتمانه. ويكفينا هنا للتدليل

على مانقول، أن نذكر: أن هذا الوصف كان عامًا حتى في آحاد المسلمين، ألا يرى أن امرأة ردت عل عمر منكرة ما ذهب إليه من رأى في تقليل مهور النساء، وهو يخطب على المنبر، دون أن تخشى شيئًا. وقصة بلال ومناقشته لعمر بن الخطاب في مسألة قسمة الأراضي المفتوحة، أمر شائع معروف، فقد أعلن بلال مخلفته لرأي عمر، بل وأغلظ له بالقول، ولم يمنعه من ذلك أنه يخالف أمير المؤمنين .. حتى أن عمر بن الخطاب لم يسعه إلا أن قال: (( اللهم اكفني بلالًا وصَحبه ) )ولم يزد على هذا

ولم يعنفه. فإذا كان هذا شأن القوم فمن العسير أن نسلم بأن سكوت مجتهديم كان

لغير الرضا والموافقة، بل إننا نكاد نجزم أن سكوتهم محمول على الرضا والمرافقة ما دام الرأي قد وصلهم، ووصوله إليهم كان ميسورًا لقلتهم كما قلنا، ولوجودهم في المدينة أوفي مكان قريب منها.

أما بعد عصر الصحابة فمن العسيرجدا التسليم بانعقاد الإجماع، لتفرق الفقهاء في البلاد النائية وأمصار المسلمين العديدة، وكثرة عددهم واختلاف مشاربهم وعدم أخذ الاجتهاد بأسلوب الشورى كما كان الحال في العهد الأول وأقصى ما يمكن أن يقال: إن أحكامًا اجتهاديةً في بعض المسائل وجدت واشتهرت، ولم يعرف لها مخالف، ولكن عدم معرفة المخالف - والحال كما وصفنا - لا يدل على عدم وجود المخالف، وبالتالي لا نستطيع اعتباره إجماعًا، بل ولا إجماعًا سكوتيًا.

179 -أهمية الإجماع في الوقت الحاضر وإمكان انعقاده:

الإجماع مصدر مهم من مصادر الفقه الإسلامي، ودليل من أدلة الأحكام مشهود له بالصحة والاعتيار، فيمكن الاستفادة منه في معرفة الأحكام الشرعية للوقائع الجديدة وهي كثيرة في وقتنا الحاضر، إلا أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تنم إلا اذا تهيأ جمع الفقهاء وعرض المسائل عليهم ومعرفة آرائهم فيها، وهذا لا يتم - في رأينا - بصورة مجدية إلا عن طريق إيجاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت