فهرس الكتاب
يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ] المائدة:38 [، و قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ] النور:2 [، و قوله صلى الله عليه و سلم:"لا يرث القاتل"و"لا وصية لوارث"و"لا يقضي القاضي و هو غضبان".
197 -ثانيًا: الإجماع:
وقد يثبت كون هذا الوصف علة عن طريق الإجماع، مثل: الإجماع على أن امتزاج النسبين في الأخ الشقيق - اي قرابته من جهة الأب وجهة الأم - هو العلة في تقديمه على الأخ لأب في الميراث، فيقاس عليه تقديمه أيضًا على الاخ لأب في الولاية على النفس، ويقاس عليه أيضًا تقديم ابن الأخ الشقيق وابن العم الشقيق، على ابن الأخ لأب وابن العم لأب على التوالي في الميراث.
198 -ثالثًا: السبر و التقسيم:
إذا لم تثبت العلة لا بنص ولا بإجماع، تحول المجتهد الى استنباط العلة بالسبر والتقسيم. ومعنى السبر: الاختبار، ومعنى التقسيم: هو أن المجتهد يحصر الأوصاف التي يراها صالحة لأن تكون علة للحكم، ثم يكر عليها بالفحص والاختبار والتأمل فيبطل منها ما يراه غير صالح للإبقاء، و يستبقي منها ما يراه صالحًا لأن يكون علة حتى يصل بعد هذا الإلغاء و الإبقاء إلى أن هذا الوصف دون غيره هو العلة. والمجتهد في هذه العملية يسترشد بشروط العلة، فلا يستبقى إلا الوصف الظاهر المنضبط المناسب المتعدى، فمثلًا: ورد النص بتحريم الخمر، ولم يبلغ بعض المجتهدين قول النبي صلى الله عليه و سلم:"كل مسكر خَمْرٌ"أو بلغه و لم يصح عند، فيبحث عن علة تحريم الخمر عن طريق السبر والتقسيم، فيحضر الأوصاف التي يمكن أن تكون إحداها علة التحريم، مثل كون الخمر من العنب، أو كونها سائلًا، أو كونها مسكرًا، ثم يردد النظر في هذه الاوصاف مستهديًا بشروط العلة، فيلغي الوصف الأول لكونه قاصرًا، و الشرط في العلة أن تكون وصفًا متعديًا، و يلغي الوصف الثاني و هو كون الخمر سائلًا، لان هذا الوصف طردي أي اتفاقي لا علاقة له بالحكم و لا
تأثير له فيه، ثم يستبقي الوصف الثالث وهو الإسكار، لأنه وصف ظاهر مناسب للحكم.
ومثله أيضًا: أن النص ورد بولاية الأب على تزويج ابنته البكر الصغيرة، ولم تثبت علة هذا الحكم بنص ولا إجماع، فينظر المجتهد في النص ويحصر العلة بأحد اثنين: البكارة أو الصغر، ويردد النظر فيهما، و بعد التأمل يستبعد وصف البكارة، لأن الشارع ما اعتبرها بأي نوع من أنواع الاعتبار، ويستبقي وصف الصغر لأن الشارع اعتبره علة في الولاية على مال الصغير. فيكون هذا دليلًا على أن الشارع اعتبر وصفًا معينًا - وهو الصغر هنا - علة لجنس الحكم وهو الولاية المطلقة، لأن الولاية على المال والولاية عليها في التزويج من جنس واحد، فيحكم المجتهد بأن العلة التي يبحث عنها هي الصغر لا البكارة، فيقيس عند ذاك الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة في ثبوت الولاية للأب عليها في التزويج.
ولا شك أن أنظار المجتهدين تختلف في عملية السبر والتقسيم، فقد يرى
مجتهد أن هذا الوصف هو المناسب، بينما لا يراه غيره مناسبًا، فالحنفية مثلًا رأوا أن علة الولاية للأب في تزويج ابنته البكر الصغيرة: هي الصغر لا البكارة، بينما رآها الشافعية: البكارة لا الصغر.
ومن اختلاف الفقهاء في استنباط العلة أيضًا: أن السنة وردت بتحريم مبادلة بعض الأصناف بجنسها متفاضلًا، وهي الذهب والفضة والشعير والبر والتمر والزبيب، وفي رواية والملح؛ ولم يقم دليل شرعي من نص أو إجماع على علة هذا الحكم. فالمجتهد يبحث في علة هذا الحكم وقد يصل باجتهاده - بطريق السبر والتقسيم - الى أن العلة: هي اتحاد الجنس وكون هذه الأصناف مما يكال أو يوزن، هذا قول الحنفية و من وافقهم، أو أن العلة: هي اتحاد الجنس مع كون هذه لأصناف طعامًا أو أثمانًا، و هذا قول الشافعية و من وافقهم، أو أن العلة: هي اتحاد الجنس و كون هذه الأصناف قوتًا مدخرًا أو أثمانًا و هذا قول المالكية و من وافقهم. و على أساس نوع العلة التي استنبطها الفقهاء يكون القياس. فعلى رأي الحنفية يقاس
على موضع النص كل المقدرات بالكيل والوزن حتى ولو لم تكن طعامًا ولا قوتًا مدخرًا. وعلى رأي الشافعية لا يقاس عليها إلا ما كان طعامًا أو أثمانًا، وعلى رأي المالكية يجب أن يكون المقيس قوتًا مدخرًا أو من الأثمان.